المرزبان صمصام الدولة المرزبان بن فناخسرو، هو الملك صمصام الدولة أبو كاليجار بن عضد الدولة. ولي الملك بعد أبيه، لأنه لما مات والده أخفى خواصه موته وكتموه كتمانا اجتهدوا فيه، واستدعوا ابنه صمصام الدولة إلى دار المملكة. وأخرجوا عهدا من عضد الدولة بتوليته واستخلافه، وفيه مكتوب: (قد قلدنا أبا كاليجار المرزبان بن عضد الدولة ولاية عهدنا وخلافتنا على الممالك والأعمال، والله يختار لنا وله حسن الخيرة).
وبويع على ما في العهد، والتمسوا له من الطائع العهد والخلع واللواء، فبعث إليه بذلك جميعه، وجلس صمصام الدولة، وقرئ العهد بين يديه، واستمر العهد على إخفاء موت عضد الدولة إلى أن تمهد الأمر لصمصام الدولة، واجتمعت الكلمة على طاعته.
وكان صمصام الدولة قد خاف من أخيه أبي الحسن أحمد، فاعتقله. وكانت والدته ابنة نادر ملك الديلم، فخافهم صمصام الدولة، وعزمت أمه على كبس دار صمصام الدولة، وتلبس ثياب الرجال، وتأتي ومعها الرجال، وتخلص ابنها، فعلم صمصام الدولة بذلك، فأطلقه وولاه شيراز وفارس، وقال له: إلحق قبل أن يصل إليها شرف الدولة. وأعطاه الأموال والرجال، فسبقه شرف الدولة إلى شيراز. وأقام أبو الحسن بالأهواز، وباين أخاه صمصام الدولة وتلقب بتاج الدولة، وخطب لنفسه. فجهز إليه صمصام الدولة جيشا من الترك والديلم، فهزمهم وقتل جماعة منهم، واستولى على الأهواز، ووجد فيها أربع مائة ألف دينار وثلاثة آلاف وخمسمائة ثوب ديباج، وأربعمائة رأس من الدواب. ووجد جمالا وقماشا، فاستولى على الجميع. وجاء الترك والديلم فاستحدمهم وأعطاهم وأحبوه. وسار إلى البصرة فملكها. ورتب فيها أخاه طاهر ولقبه ضياء الدولة. ثم إنه في شهر رمضان سنة سبعين وثلاث مائة، شغب الجند على صمصام الدولة، وفارقه أكثرهم. وتسلل الأعيان منهم إلى شرف الدولة، منهم: أبو نصر بن عضد الدولة. فعزم صمصام الدولة على الإصعاد إلى عكبرا. فبينا هو في ذلك، احتاطوا بداره وصاحوا بشعار شرف الدولة وخرقوا الهيبة، فانحدر إلى شرف الدولة بنفسه. فتلقاه وأكرمه وأنزله في خيمة قبالة خيمته، وأخدمه حواشيه. وكان ذلك في شهر رمضان. ولما كان يوم العيد، جلس شرف الدولة جلوسا عاما للتهنئة، ودخل الناس على طبقاتهم. وجاء صمصام الدولة، فقبل الأرض ووقف عن يمين السرير، وجاء الشعراء وأنشدوا مدائحهم، وغمز بعضهم في شعره بصمصام الدولة، فأنكر ذلك شرف الدولة وقام من المجلس، فلم يعرف بعد ذلك لصمصام الدولة خبر. فقيل: حمل إلى فارس واعتقل بقلعة وكحل. وكانت مدة إمارته بالعراق ثلاث سنين وأحد عشر شهرا.
وتوفي شرف الدولة سنة تسع وسبعين وثلاث مائة بعلة الاستسقاء هو وأخوه أبو طاهر، وكانا قد أقاما معتقلين مدة، ولم يعلم أحد منهما بصاحبه. ثم إنه خلص من الاعتقال. ونزل صمصام الدولة من القلعة التي كان بها محبوسا، وسار إلى فارس، وملك شيراز، وأقام بها ملكا إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. فاضطربت أموره، وتبسط الديلم عليه، وقصرت مواده عما يرضيهم. فاستولى الديلم على إقطاعات والديه وحاشيته، وكان قد أسقط من الديلم ألف رجل، فتوجهوا إلى أبي نصر شهفيروز وأبي القاسم ابني عز الدولة بختيار، وهما محبوسان في بعض قلاع فارس، وخدعوا الموكلين بهما، فصارت القلعة بحكمهما. وانضم إليهما الأكراد، فسار ابنا عز الدولة في جيش كثيف وملكا أرجان. ثم إنه مات ابن لصمصام الدولة يقال له: أبا شجاع، قد ترعرع ونشأ، فوجد عليه وجدا عظيما، ولم يبق بشيراز إلا من لبس السواد عليه وكان يبكي عليه صمصام الدولة من أذنيه، وهذا من الغرائب. وأراد أن يصعد إلى القلعة فلم يفتح له ناسها الباب، فدعا الأكراد، واستوثق منهم، وأخذ أمواله وجواهره وكل ما يملكه، وطلب الأهواز. فلما بعد عن شيراز، نهبوا جميع ما معه، وعرف أبو نصر خبره، فبعث إليه جماعة من الديلم فقتلوه في رابع عشر ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة، وكان عمره خمسا وثلاثين سنة وسبعة أشهر وسبعة عشر يوما.وأمارته بفارس تسع سنين وثمانية أيام.