محمد بن نجيح
يعقوب بن يوسف المنصور المراكشي
يعقوب بن يوسف المنصور المراكشي
وكتب إليه صلاح الدين ابن أيوب يستنجده على الفرنج، وخاطبه بأمير المسلمين ولم يخاطبه بأمير المؤمنين، فلم يجبه إلى ما طلب.
ووقع بين المنصور هذا وبين الأذفونش ملحمة هائلة قل أن وقع مثلها، قتل فيها من الفرنج مائة ألف وستة وأربعون ألف نفس، وقتل من المسلمين نحو من عشرين ألف نفس، وحمل من دروعهم لبيت المال ستون ألف درع؛ وأما الدواب فلم يحص عددها.
وكان قد أمر أن لا يفتى بفروع الفقه، وأن لا يفتى إلا بالكتاب والسنة، وأن يجتهد الفقهاء على طريقة أهل الظاهر. وإليه تنسب الدنانير اليعقوبية، وأمر بقراءة البسملة في أول الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك إلى سائر بلاد المسلمين فأجاب قوم وامتنع آخرون. وكان يشدد على الرعية بإقامة الصلوات الخمس ويعاقب على تركها، ويأمر بالنداء في الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غفل عنها أو اشتغل عنها بمعيشة عزره، تعزيرا بليغا؛ وقتل في بعض الأحيان على شرب الخمر،وقتل العمال اللذين تشكو الرعية منهم. وقال القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان، رحمه الله تعالى: وصل إلينا جماعة من مشايخ المغرب وهم على تلك الطريق، مثل أبي الخطاب ابن دحية، أخيه أبي عمر، ومحي الدين ابن العربي نزيل دمشق.
وكان محبا للعلماء، محسنا إليهم، مقربا لهم وللأدباء، مصغيا إلى المديح مثيبا عليه. وله ألف أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي (صفوة الأدب وديوان العرب) من مختار الشعر. ومن شعراء دولته أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مجبر الأندلسي، وقد تقدم ذكره في مكانه. ودخل عليه الأديب أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشاعر المشهور فأنشده:
أزال حجابه عني وعيني | تراه من المهابة في حجاب |
وقربني بفضل منه لكن | بعدت مهابة عند اقترابي |
ولقبوه المنصور، فقام بالأمر أحسن قيام، وهو الذي أظهر أبهة ملكهم ورفع راية الجهاد، ونصب ميزان العدل، وأقام الحدود حتى على أهله وعشيرته. وخرج عليه علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن عائشة الملثم من جزيرة ميورقة في شعبان سنة ثمانين، وملك بجاية وما حولها، فجهز إليه المنصور يعقوب عشرين ألف فارس وأسطولا في البحر، ثم خرج بنفسه في أول سنة ثلاث وثمانين وخمس مائة فاستعاد ما أخذ من البلاد ثم عاد إلى مراكش.
وفي سنة ست وثمانين بلغة أن الفرنج ملكوا مدينة شلب، وهي في غرب جزيرة الأندلس، فتجهز إليها بنفسه، وحاصروها وأخذها وأنفذ في الوقت جيشا من الموحدين ومعهم جماعة من العرب ففتحوا أربع مدن من بلاد الفرنج كانوا قد أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة. وخافه صاحب طليطلة وصالحه خمس سنين، وعاد إلى مراكش. ولما انقضت الهدنة ولم يبق منها إلى القليل، خرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى بلاد المسلمين، فنهبوا وسبوا وعاثوا عيثا فظيعا، فتوجه لقصدهم، وذلك في سنة إحدى وتسعين وخمس مائة، وجمع جيوشه من أطراف البلاد واحتفل احتفالا عظيما، وخرج إلى مدينة سلا ليكون اجتماع العساكر بظاهرها فاتفق أنه مرض مرضا شديدا، إلى أن يئس أطباؤه فتوقف الحال عن تدبير الجيوش، فحمل إلى مراكش، وطمع المجاورون له من العرب وغيرهم وعاثوا في البلاد وأغاروا على النواحي. وكذلك فعل الأذفونش فيما يليه من بلاد الأندلس وتفرق الجيوش شرقا وغربا وزاد طمع الأذفونش، وبعث رسولا إلى الأمير يعقوب يتهدده ويتوعده ويطلب بعض الحصون المتاخمة له وكتب إليه رسالة من إنشاء وزير له يعرف بابن الفخار وهي:
باسمك اللهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله على السيد المسيح روح الله وكلمته الرسول الفصيح. أما بعد، فلا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا ذي عقل لازب، أنك أمير الملة الحنيفية كما أني أمير الملة النصرانية، وقد علمت ما عيه رؤساء الأندلس من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية، وإخلادهم إلى الراحة، وأنا أسومهم بحكم القهر وخلاء الديار، وسبي الذراري، وأمثل بالرجال، ولا عذر لك في التخلف عن نصرهم إذا أمكنتك يد القدرة. وأنتم تزعمون أن الله فرض عليكم قتل عشرة منا بواحد منكم ف {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا}، ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا، لا تستطيعون دفاعا ولا تملكون امتناعا، وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال، وأشرقت على ربوة القتال، وأنت تماطل نفسك عاما بعد عام، وتقدم رجلا وتؤخر أخرى، فلا أدي أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعدك ربك، ثم قيل لي إنك لا تجد إلى جواز البحر سبيلا لعلة لا يجوز لك التقحم معها، وها أنا أقول لك ما فيه الراحة لك وأعتذر لك وعنك، على أن تفي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرهن، وترسل لي جملة من عبيدك بالمراكب والشواني والطرائد والمسطحات، وأجوز بجملتي إليك، وأقاتلك في أعز الأماكن إليك، فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك وهدية عظيمة مثلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك واستحقيت إمارة الملتين، والحكم على البرين، والله يوفق للسعادة، ويسهل الإرادة، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره إن شاء الله تعالى.
فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه وكتب على ظهر قطعة منه {ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون} الجواب ما ترى لا ما تسمع:
ولا كتب إلا المشرفية عنده | ولا رسل إلى الخميس العرموم |
ولكثرة ما حصل له من الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج فعاد إلى طليطلة وحاصرها وقطع أشجارها، وأخذ من أعمالها حصونا كثيرة، وقتل رجالها وسبى حريمها وهدم مبانيها، وترك الفرنج في أسوأ حال. ثم رجع إلى إشبيلية وأقام إلى أثناء سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة، وعاد إلى بلاد الفرنج مرة ثالثة وفعل كفعله المتقدم، فلم يبق للفرنج قدرة على لقائه وسألوا منه الصلح فأجابهم، وصالحهم لمدة خمس سنين، وعاد إلى مراكش. ولما وصل إليها أمر باتخاذ الأحواض والروايا وآلات السفر إلى بلاد إفريقية، فاجتمع إليه مشايخ الموحدين وقالوا: قد طالت غيبتنا بالأندلس فمنا من له خمس سنين ومنا من له ثلاث سنين، فأنعم علينا بالمهلة هذا العم، وتكون الحركة أول سنة خمس وتسعين، فأجابهم وانتقل إلى مدينة سلا، وشاهد ما فيها من المنتزهات المعدة له، وكان قد بنى بالمدينة المذكورة، قريبا منها، مدينة سماها رباط الفتح، على هيئة الإسكندرية، وبناها على البحر المحيط، وهي على نهر سلا مقابله من البر القبلي، وتنزه فيها وعاد إلى مراكش.
ثم إن الناس اختلفوا في أمره من هنا، فقالوا: إنه ترك ما كان فيه وتجرد وساح في الأرض وانتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف ومات خاملا، ويقال: إن قبره بالقرب من المجدل، قرية من البقاع العزيزي عند قرية يقال لها حمارة، وإلى جانبها مشهد يعرف بقبر الأمير يعقوب ملك المغرب، كل أهل تلك النواحي متفقون على ذلك؛ وقالوا: مات بمدينة سلا في غرة جمادى الأولى، وقيل: في شهر ربيع الآخر في سابع عشرة، وقيل: في غرة صفر سنة خمس وتسعين وخمس مائة بمراكش. ومولده سنة أربع وخمسين وخمس مائة، وأمر ليدفن على قارعة الطريق ليترحم الناس عليه.
وبايع الناس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب، وقد تقدم ذكره في المحمدين.
ومن حكايات الأمير المنصور يعقوب، أن رجلا من المشارقة وصل إليه في زي رسول وزعم أنه من الهند يذكر أن ذلك الملك رأى في كتاب ملحمة عنده، أن أبا يوسف هذا يصل بجيوشه من المغرب ويملك بلاد المشرق ثم يفتح الهند، وما أشبه ذلك، وطلب الاجتماع به فقال المنصور: (العاقل الكريم ينخدع في ماله ولا ينخدع في عقله، وأمر بإنزاله وإجراء الضيافة عليه حتى ينفصل، وأما الاجتماع به فلا سبيل إليه).
ورفع إليه صاحب شرطته أن رجلا من العامة ممن ابتلاه الله بحب الخمر اشتاق إلى عادته فقالت له زوجته: قد علمت أن الخليفة يقتل على الشرب، وأنت فيك عربدة وقلة صمت إذا شربت، فقال لها: أنا أحسم المادة؛ فقيد نفسه بقيد حديد ثم اشتغل بشرابه وأغلق بابه، فنم به أحد أنذال جيرانه إلى صاحب الشرطة، فأمر المنصور أن يضرب السكران الحد الخفيف، ويؤخذ القيد من رجله ويوضع في رجل الغماز بعد أن يضرب على تجسسه ويودع السجن حتى يستريح الناس منه.
واحتاج لأحد أولاده عالما وأمينا، فطلبهما من القاضي، فاختار له القاضي رجلين وصف أحدهما في رقعته أنه عالم بحر، والآخر أنه أمين بر، فاستنطقهما المنصور، فعلم أنهما مقصرين فوقع في الرقعة {ظهر الفساد في البر والبحر}.
واشتهر له من قوله شعر أفسد به العرب على قراقوش أحد مماليك صلاح الدين وكان قد استولى على طرابلس وقابس وعظم أمره بالغرب:
يا أيها الراكب الساري لطيته | على عذافرة أشقى بها الأكم |
بلغ سليما على بعد الديار بها | بيني وبينكم الرحمن والرحم |
يا قومنا لا تشبوا الحرب إن خمدت | واستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا |
حاشى الأعاريب أن ترضى بمنقصة | ياليت شعري هل ألبابهم عدموا |
يقودهم أرمني لا خلاق له | كأنه بينهم من جهله علم |
الله يعلم أني ما دعوتكم | دعاء ذي ترة يوما فينتقم |
ولا التجأت لأمر يستعان به | من الأمور وهذا الخلق قد علموا |
لكن لأجزي رسول الله عن رحم | تنمى إليه وترعى تلكم الذمم |
فإن أتيتم فحبل الوصل متصل | وإن أبيتم فعند السيف نحتكم |
وله موشحات حسنة عملها في جارية له يهواها تسمى ساحر، وقيل إن هذه الموشحة لابن زهر المغربي:
هل ينفع الوجد أو يفيد | أو هل على من بكى جناح |
يا شفة القلب غبت عني | فالليل عندي بلا صباح |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 29- ص: 0