الربيع العبسي الكوفي وأخوه عائذ
علي بن الحسن القهستاني، أبو بكر العميد
علي بن الحسن القهستاني، أبو بكر العميد
في الفلسفة، فقدح في دينه ومقت لذلك. وكان كريما جوادا ممدحا، ولي الولايات الجليلة، وله أشعار فائقة ورسائل رائقة. وكان كثير المزاح راغبا في اللهو والمراح، له في ذلك خاطر وقاد وحكايات متداولة، وقد دونت رسائله وشاعت فضائله، وكان يدمن المزاح حتى في مجلس نظره، وكان يعاتب على ذلك فلا يدعه لغلبة طبعه عليه، وكان قد تولى العرض، فجرى يوما بين يديه في مجلس العرض ذكر المعمى فقال: قد كان عندي البارحة جماعة- سماهم- من أهل الأدب فألقيت عليهم مثالا يصعب استخراج مثله فوقفوا فيه وهو:
مليحة القد والأعطاف قد جعلت | في الحجر طفلا له رأسان في جسد |
قد ضيقت منه أنفاس الخناق بلا | جرم وتضربه ضربا بلا حرد |
فتسمع الصوت منه حين تضربه | كأنه خارج من ماضغ الأسد |
عهدي بك تستدخل الأعور فكيف صرت تستخرج الأعمى؟! فخجل الغلام وضحك الحاضرون.
قال ابن عبد الرحيم: وحدثني أبو الفضل قال: بلغني أن القهستاني أنشد مرة بحضرة السلطان محمد بن محمود بيتا من المعمى فلم يعرفه هو ولا ندماؤه وهو:
دقيقة الساق لا عروق لها | تدوس رزق الورى بهامتها |
قال: وحدثني أن هذا الرجل كان يتميز على أهل خراسان بحسن الأخلاق والسخاء، وكثرة المعروف والعطاء، وكان الشعراء يقصدونه دائما لما اشتهر من سماحته وفائض مروءته، فأنشده بعض الشعراء قصيدة باردة غير مرضية، فغفل عنه
وأخر صلته، فكتب بيتين في رقعة وسأل الدواتي أن يتركها في دواته ففعل، وكان البيتان:
أبا بكر هجوتك لا لطبعي | فطبعي عن هجاء الناس نابي |
ولكني بلوت الطبع فيه | فإن السيف يبلى في الكلاب |
قال: وكان أبو بكر القهستاني لهجا بالغلمان شديد الميل إليهم، وكان لمحمد بن محمود سبعمائة غلام في خيله، فعلق العميد أحدهم وأحبه حبا مفرطا، ولم يستجريء أن يبدي ذلك لما فيه من سوء العاقبة، فاتفق أن عاد الغلمان يوما من بعض المتصيدات، فلقيهم العميد في صحن الدار فسلموا عليه، وقرب ذلك الغلام منه، وكان قد عرف ميله إليه، فقرص فخذه، وكان محمد مشرفا عليهم ينظر إلى ذلك، فنزل واستدعى الخدم وأمرهم بضربه فضربوه ضربا مسرفا، ثم أنفذه إلى العميد وقال له: قد وهبناه منك وصفحنا عن ذنبك، فلو لم يساعدك هذا الفاجر على ذلك لما أمكنك فعله، ولكن لا تعد إلى مثل هذا، فاستحيا العميد وقال: هذا أعظم من الضرب والأدب، وتأخر عن داره حياء، فأنفذ محمد واستدعاه وبسطه حتى زال انقباضه، وكان محمد لا رأي له في الغلمان ولا ميل عنده إليهم، وكان لمعرفته بمحبة العميد لهم لا يزال يهب منه واحدا بعد واحد. وشكا الخدم إلى محمد أن بعض الغلمان الدارية يمكن باقي الغلمان من وطئه ولا يمتنع عليهم من الغشيان، فقال:
أيفعل هذا طبعا أم يستجعل عليه؟ فقالوا: بل يستجعل عليه، فتقدم باخراجه وإنفاذه الى العميد وقال: قولوا له هذا بك أشبه لا بنا فخذه مباركا لك فيه.
وقال أبو بكر العميد في الميمندي وزير محمود:
ولقد سئمت من الوزير ومن ذويه زائده | وغسلت من معروفهم |
كلتا يدي بواحده | وضربتهم عرض الجدا |
ومن مشهور قوله:
ومعقرب الأصداغ في | خديه ورد ينتثر |
لا عبته بالكعبتي | ن مسامحا حتى قمر |
فازداد حسنا وجهه | لما رأى حسن الظفر |
فنعرت نعرة عاشق | قمر القمر قمر القمر |
ومقرطق في صحن غرة وجهه | متصرف صرف الجمال وتحته |
عاقرته أسكرته قبلته | جدلته فقحته سرحته |
قم يا خليلي فاسقني | كشعاع خدك من شراب |
فلقد يمر العيش من | قرضا ولا مر السحاب |
فانعم بعيشك ما استطع | ت ولا تضع شرخ الشباب |
فلكم أضعت من الشبا | ب وما استفدت سوى اكتئاب |
ومن قصيدته في القادر:
ولم يرني ذو منة غير خالقي | وغير أمير المؤمنين ببابه |
غنيا بلا دنيا عن الخلق كلهم | وان الغنى إلا عن الشيء لا به |
رأيت عمارا ولو لم أره | حاز لتلك الطلعة المنكره |
لا أحمد الله على خلقه | فلو أراد الحمد ما صوره |
فلسنا نرجي الخير من إبن واحد | فكيف نرجيه من ابن كثير |
وطول بلا طول وعرض بلا عرض
وهجاه بأبيات تصحف:
مالي وهذا العارض ابن كثير الشيخ العميد وما له يشناني
وهو الفؤاد بروحه وأحبه | ويتيه أين رأيته ورآني |
ويغض من قدري ويخمل جاهدا | ذكري ويخفي في الجنان جناني |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 4- ص: 1677