محمد بن عمر الأمير ناصر الدين ابن الأمير ركن الدين البتخاصي الصفدي.
كان أميرا بطبلخاناه في الديار المصرية، وله مكارم ومروءة، وفي طباعه حرية. يخدم أصحابه، ويعرف حق من لازم بابه، يخدم الوراد، ويكرم الرواد، ويتجمل بين الناس، ويرضي من يقدم عليه، ويبسط له الإيناس. تنقل في الممالك، وصرفه الدهر بين صبحه النير، ودجاه الحالك، وقبض وسجن وامتلأ قلب الدهر عليه وشحن، وهو صابر للأقدار فيما تنوبه، عالم أن الزمان لا تدوم حروبه.
ولم يزل بالديار المصرية في آخر أمره، الى أن انصرمت مدة عمره.
وتوفي رحمه الله تعالى بالديار المصرية، وجاء الخبر بوفاته الى دمشق في شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وستين وسبع مئة، وعمره ما يقارب الخمسين سنة.
كان الأمير ناصر الدين قد نشأ بصفد في حياة والده وكان والده ركن الدين يتصرف في المباشرات السلطانية من الولايات والشد وغير ذلك، وكان من أعيان أهل صفد، وفي آخر عمره ولي الحجبة الصغرى بصفد بإمرة عشرة، فلما خرج الأمير ركن الدين بيبرس الأحمدي نائب صفد هاربا منها طالبا دمشق تبعه عسكرها وركن الدين معهم، فناوشوهم القتال، فجاءته طعنة حمل منها الى صفد، ومات بها. وتقلبت الأيام بولده هذا الأمير ناصر الدين، وترقى الى أن تولى الحجبة بصفد، ثم إنه أمسك واعتقل بإسكندرية، في واقعة بيبغاروس لما كان صحبة الأمير علاء الدين الطنبغا برناق نائب صفد، ثم إنه أفرج عنه، وأخرج الى طرابلس، ثم طلب الى مصر، وجعل حاجبا صغيرا بحلب، وفوض إليه الأمير سيف الدين شيخو نيابة ديوانه بحلب، فاجتهد في خدمته، وعمر الخان المليح والحمام بجب السقايين بين المعرة وحماة، ثم أضيف إليه شد الخاص وشد الأوقاف بحلب.
ثم إنه رسم له بإمرة الحجبة الكبرى عوضا عن الأمير ناصر الدين بن شهري، وأقام على ذلك الى أن طلب الى مصر صحبة علاء الدين علي البشيري، فأعطاه السلطان بمصر إمرة طبلخاناه، وجعله مشدا في العمائر السلطانية بالقاهرة، ثم إنه جهزه في سنة إحدى وستين وسبع مئة الى منفلوط لقبض مغلها، فقبضه وعاد الى القاهرة على شد العمائر.
ثم إنه مرض مرضة طويلة في ذلك الوباء العام، ووصل الخبر الى دمشق بموته رحمه الله تعالى.
وكان رحمه الله بارا بوالدته وإخوته وأخواته، عفيفا أمينا في مباشراته، عارفا دربا بما يتحدث فيه، فيه كرم ومروءة زائدة.