محمد بن محمد بن علي

محمد بن محمد بن علي

التراجم

محمد بن محمد بن علي ابن محمد بن سليم، الصاحب تاج الدين أبو عبد الله ابن الصاحب فخر الدين ابن الوزير بهاء الدين ابن حنا.
سمع من سبط السلفي جزء الذهلي، ومن الشرف المرسي. وبدمشق من ابن عبد الدايم وابن أبي اليسر، وحدث بدمشق وبمصر.
رأى من العز والوجاهة ما لا رآه جده، وساعده على الرئاسة حظه وجده.
كان ذا تصون ورياسة وسيادة، وتفنن في المكارم بلغ من العلياء ما أراده، وانتهت إليه رياسة مصره في عصره، وسيادة دهره في سره وجهره.
وكان شكله حسنا، وبزته إذا رآها الناظر لم يذق معها وسنا، لأنه تفنن في مطعمه وملبسه، ومركوبه ومجلسه، وراحة قلبه وبدنه، وسكنه ومسكنه، مع كثرة صدقاته على الفقراء. ومبراته للأمراء، وتواضعه الذي ملك به قلوب الأصاغر والعظماء.
وزاده زينة والبدر أحسن ما تراه في طرف السماء، وعزم تلاه الحزم، ولم يدخل عليه من العوامل إذا ذوات الجزم.
وكان ممدحا معظما، يختار الشعراء لأمداحه الدر الكبار منظما.
وولي الوزارة مرتين، وتجملت به كرتين. ثم إن الوزراء بعده كانوا له غلمانا، ولأوامره كفلاء وضمانا.
ولم يزل على حاله الى أن سكن ابن حنا زوايا ضريحه، وخرج فقده من معماه الى صريحه.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة السبت خامس جمادى الآخرة سنة سبع وسبع مئة.
ومولده في يوم الخميس سابع شعبان سنة أربعين وست مئة.
وهو الذي اشترى الآثار النبوية على ما قيل بمبلغ ستين ألف درهم، وجعلها في مكانه بالمعشوق، وهو المكان المنسوب إليه بمصر، وقد زرت هذه الآثار ورأيتها مرتين، وهي قطعة من العنزة ومرود ومخصف وملقط وقطعة من القصعة، وكحلت ناظري برؤيتها، وقلت أنا:
وحكى لي الإمام العلامة شيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود وغير واحد أن الصاحب فخر الدين بن الخليلي لما لبس تشريف الوزارة وتوجه الى القلعة بالخلعة الى عند الصاحب تاج الدين، وجلس بين يدين وقبل يده، فأراد الصاحب تاج الدين أن يجبره ويعظم قدره، فالتفت الى بعض غلمانه الواقفين أو عبيده وطلب منه توقيعا بمرتب يختص بذلك الشخص، فأخذه وقال: مولانا يعلم على هذا التوقيع، فأخذه وقبله وعلم عليه قدامه.
وكان شيخنا الحافظ فتح الدين إذا حكى ذلك يقول: هذه الحالة من الصاحب تاج الدين بمنزلة الإجازة والإمضاء لوزارة ابن الخليلي.
ومن أحسن حركة اعتمدها ما حكاه لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: اجتزت بتربة فرأيت في داخلها مكتبا للأيتام، وهم يكتبون القرآن في ألواحهم، فإذا أرادوا مسحها غسلوا الألواح وقلبوا الماء على قبره، فسألت عن ذلك فقيل لي: هذا شرط في هذا الوقف، وهذا مقصد حسن وعقيدة صحيحة.
وكان جده الصاحب بهاء الدين يؤثره على أولاده لصلبه ويعظمه عليهم. أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: أخبرني قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله تعالى، قال: وقفت على إقرار الصاحب بهاء الدين بأنه في ذمته للصاحب تاج الدين ولأخيه مبلغ ستين ألف دينار مصرية.
ومن وجاهته وعظمته في النفوس أنه لما نكب على يد الشجاعي جرده من قماشه وضربه مقرعة واحدة من فوق قميصه، ولم يدعه الناس يصل الى أكثر من ذلك مع جبروت الشجاعي وعتوه وتمكنه من السلطان.
وكنان قد رتب في الوزارة بعد ابن السلعوس وقتل الأشرف في أول دولة الناصر محمد بن المنصور وقتل الشجاعي، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين وست مئة الى أن عزل بابن الخليلي فخر الدين في جمادى الأولى سنة أربع وتسعين وست مئة.
وكان الصاحب يتعاطى الفروسية ويحضر الغزوات ويتصيد بالجوارح والجوامي، ولما قدم من غزوة حمص امتدحه الحكيم شمس الدين محمد بن دانيال وذلك في سنة ثمانين وست مئة، وأول القصيدة:
منها:
منها:
وأنشدني إجازة لنفسه شيخنا العلامة أبو الثناء يمدحه بقصيدة تزيد على الثمانين بيتا أولها:
منها:
وهذه قصيدة غراء طنانة، وقد أثبتها بكمالها في الجزء التاسع عشر من التذكرة التي لي.
وحكى لي عنه سيادة كثيرة شاهدها منه، من ذلك أنه قال: دخلت يوما إليه، فلقيني إنسان من الشعراء - نسيت أنا اسمه - ومعه قصيدة قد امتدحه بها، فقال: يا مولانا لي مدة ولم يتفق لي إلى الصاحب وصول، فأخذتها منه ودخلت بها إليه وقلت: بالباب شاعر وقد مدح مولانا، فقال: يدخل. فأعطاه القصيدة، ولم يمتنع من إسماعها كما يفعله بعض الناس، فلما فرغت أخذها منه، ووضعها الى جانبه، ولم يتكلم ولا أشار. فحضر خادم ومعه مبلغ مئتي درهم وتفصيلة، فدفعها لذلك الشاعر.
قلت: وهذه غاية في السيادة والرئاسة من سماعها وعدم قوله: أعطوه كذا، أو إشارة الى من يحضر فيشير إليه.
وقيل عنه: إنه كانت أحواله كلها كذا لا يشير بشيء ولا يتكلم به في بيته، وكل ما تدعو الحاجة إليه يقع على وفق المراد، وحكى لي أنه أضاف جده يوما ووسع فيه، فلما عاد الى بيته أخذ الناس يعجبون منه ومن همته وكرم نفسه، فقال الصاحب بهاء الدين: ليس ما ذكرتموه بعجيب، لأن نفسه كريمة ومكنته متسعة، والعجب العجب كونه طول هذا النهار وما حضر فيه من المأكول والمشروب والطعام والفاكهة والحلوى وغير ذلك على اختلاف أنواعه، ما قام من مكانه، ولا دعا خادما فأسر إليه بشيء، ولا أشار بطرفه ولا بيده، ولم يجئ إليه أحد من خدمه ولا إشار إليه. وقيل: إن الناس تعجبوا من كثرتهم وتشربهم الماء البارد في كيزان عامة النهار، فسئل عن ذلك فيما بعد، فقال: اشترينا خمس مئة كوز، وبعثنا الى الجيران قليلا، بردوا ذلك في الباذهنجات التي لهم.
ولا شك في أنه كان عالي الهمة ممجدا مسودا، ولكن لم يكن له سعادة جده ولا دربته في تنفيذ الوزارة، فإنه وليها مرتين وما أنجب فيها، وكان له إنسان مرتب معه حمام كحمام البطايق مدرب، إذا خرج من باب القرافة أطلق ما معه من الحمام، فيروح الى الدار التي له فيعلم أهله أنه قد خرج من القلعة، فيرمون الططماح والملوخية وغير ذلك من أنواع الطعام ومن المطجن وما شابهه، حتى إذا جاء وجد الطعام حاصلا والسماط ممدودا.
وله ديوان شعر لطيف سمعه منه ابن شامه وابن الصابوني.
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال: اجتمعت به وسمعت عليه شيئا من الحديث، وأنشدني من لفظه لنفسه:
وكان قد اشترى فرسا من العرب، فأقامت عنده مدة في الحاضرة، ثم إنه عبر بها على بيوت العرب، فجفلت به، فقال:
قلت: أثبت الياء في قوله: رأيتها وإنما هي بكسر التاء، فأشبع، فنشأت ياء.
قال شيخنا أثير الدين: ونظمت أنا هذا المعنى فقلت:
وقد سمع منه شيخنا الذهبي وجالسه، وأنشده من شعره، واعتكف مرة في مئذنة عرفات بجامع مصر ثلاثة أيام، فقال السراج الوراق، ونقلت ذلك من خطه:
ولما عمر الصاحب تاج الدين جامع دير الطين قال السراج الوراق، ومن خطه نقلت:
قلت: البيتان الأخيران لأبي الطيب المتنبي من قصيدة مشهورة.
وأهدى إليه الصاحب تاج الدين عسلا مسعوديا فقال، ومن خطه نقلت:
منها:
وأرسل إليه الصاحب يوما ديوكا مخصية، فاستبقاهن، فأرسل إليه دجاجة كبيرة، ومن خطه نقلت ما قاله في ذلك:
قلت: قوله: زنجية عند رومي ظرف فيه الى الغاية، لأن السراج رحمه الله تعالى كان أشقر أزرق، ولذلك قال، ومن خطه نقلت:
ونقلت من خط السراج الوراق قصدة مدح بها الصاحب تاج الدين أولها:
منها:
وكتب الصاحب تاج الدين الى الوراق يعزيه في حمار له سقط في بئر فنفق:
قلت: قوله: لا حمامة خاطف يشير فيها الى أبيات ابن عنين التي مدح بها الإمام فخر الدين الرازي وهو على المنبر فجاءت إليه حمامة وراءها جارح، فقال ابن عنين أبياتا منها:
وأجاب الوراق للصاحب تاج الدين بقصيدة طويلة، ومن خطه نقلت:
منها، فيما يتعلق بالحمار:
ونظم الصاحب يوما بيتا وهو:
وأمر الوراق بإجازته فقال:
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين:
قلت: هو مأخوذ من قول الأول:
وقلت أنا وقد كنا بمرح الغسولة في يوم من الربيع، فورد علينا برد شديد الى الغاية:
وكتب شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود الى الصاحب تاج الدين مع رأس فانوس أهداه وفيه صورة الفلك:
فكتب الصاحب تاج الدين الجواب:
وكان شيخنا العلامة شهاب الدين محمود رحمه الله تعالى في يوم عند الصاحب تاج الدين، فقام الى الصلاة، ورمى إليه بخاتم فضة فصه زبرجد، ولما انفتل من الصلاة أنشده الشيخ شهاب الدين محمود لنفسه:
ومن شعر الصاحب تاج الدين ملغزا في الورد:
ومنه يمدح الشيخ خضر المكاري:
ونظم يوما بيتا وهو:
وقال للوراق: أجزه. فقال قصيدة أولها:
ومما ينسب الى الصاحب تاج الدين هذه الموشحة وقد التزم فيها الحاء قبل اللام وهي:
  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 112

Men
الولادة
غير متوفر
الوفاة
غير متوفر
العصر
التصنيف
رجال