يحيى بن عبد الرحمن
يحيى بن عبد الرحمن
كان يكتب طبقه، ويتقدم بحسن أوضاعه كل من سبقه، فإذا رأيت خطه في المهارق أنساك سحر الأحداق وزهر الحدائق، وكان له عناية بالحديث، وسماع القديم والحديث، قرأ بنفسه، وأسمع أولاده، ورحل بهم عن أوطانه، وفارق أحباءه وبلاده.
وكان موسيقارا يتقن اللحون والأنغام، ويقر له في هذه الصناعة ربها ويخضع له ولو أنه الضرغام، فإذا أورد لحنا أعرب فيه عن أستاذيته، وفتن أهل الغرب بمشرقيته، وسلب عقولهم بمشرفيته:
ما كان حين يغني في مجالسهم | إلا نسيم الصبا والقوم أغصان |
ولم يزل هناك يكتب عن الملوك وينظم در رسائلهم في السلوك الى أن انتظم النظام في سلك الأموات وعد بعد حياته من الرفات وفات.
وتوفي رحمه الله تعالى في سنة إحدى وستين أو سنة ستين وسبع مئة. ورد خبر موته من بغداد.
كان هذا نظام الدين قد وصل من بغداد مع الوزير نجم الدين بن شروين وناصر الدين خليفة بن علي شاه لما وفدوا على السلطان الملك الناصر.
حكى لي من لفظه قال: دخلنا مصر، واستقر نجم الدين بن شروين أمير مئة مقدم ألف، وناصر الدين خليفة طلبه الأمير سيف الدين تنكز من السلطان، فسيره إليه، وأعطاه إمرة طبلخاناه في دمشق، وبقيت أنا عند الأمير سيف الدين قوصون، إذ طلبني يقول لي: يا شيخ نظام الدين، قول لنا ذلك البيشوره، قول لنا ذلك القول، قول لنا ذلك الساذج الذي لحنته أنت: فقلت أنا في نفسي: متى فترت يا يحيى أداروك هؤلاء مغنيا لا غير، فطلبت من السلطان العود الى دمشق، فجهزني إليها.
ولما ورد من باب السلطان أعطاه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى مشيخ ةالربوة، فأقام بها مدة يسمع أولاده الحديث ويقرأ بنفسه على الأشياخ الى أن طلب العود الى بغداد، لأجل أملاكه، وكان أولا يكتب الإنشان عن حكام بغداد، ولما عاد إليها استمر كذلك وكانت الكتب ترد عن حكام بغداد الى ديوان الإنشاء بخطه.
وكان والده النور حكيما يطب ملوك المغل وغيرهم. وكان نظام الدين يكتب المنسوب ويضع الكوفي والمعقلي من أحسن ما يكون وأجوده، ووضع أشياء بخطه في بيت القاضي شهاب الدين يحيى بن القيسراني، وهي في غاية الإتقان، وأراني درجا قد كتب فيه منازل الحج من بغداد الى مكة، وصور ذلك، وشجره في خرقة كتان، وهو من أحسن الأوضاع في التحرير والإتقان.
وكان أستاذا في علم الموسيقى، له فيه أقوال وأعمال ينقلها عنه أرباب هذا الفن في الشام ومصر وكان إذا خلا بمن أحب من الأكابر اندفع وغنى من غير آلة أشياء غريبة، سمعته غير مرة، وكان ينظم أيضا.
نقلت من خط الشيخ الإمام العلامة صلاح الدين العلائي قال: نقلت من خط نظام الدين المذكور قوله:
أيها المالك الذي زين الملـ | ـك بفضل يسمو على الوزراء |
وبجود قد أخجل المزن منه | وبعلم يربي على العلماء |
ما اسم شيء مناسب الأجزاء | مستطيل إذا سعى في فناء |
مستدير لكونه فلكا فيـ | ـه نجوم طوال في سماء |
عم حينا مشارق الأرض والغر | ب وطاف الدنيا بالاستيلاء |
منزل غير أنه ليس قرآ | نا وآياته بلا إحصاء |
ذو عيون له فم وعليه | شارب وهو مفرط بالحياء |
صيته أن ليس عنه غناء | صوته مطرب بغير غناء |
فتراه طورا على جبل عا | ل وطورا يرى ببئر الماء |
تارة كالجماد يلفى على الأر | ض وطورا يطير وسط الهواء |
منه بر ومنه بحر وفيه | كل نفس تولدت بسواء |
وهو ركن الدنيا وغوث البرايا | وملاذ الورى وعون الرواء |
وحياة النفوس في حلبة السبـ | ـق مبيد الأنام في الهيجاء |
فيه نون وأول الاسم ميم | ألف تلوه بغير مراء |
صاحب الأولياء في أول العمـ | ـر وأوفى في خدمة الأنبياء |
واصطفى كل من تصوف حتى | عد في الأولياء والأصفياء |
فبلقياه قام بالفرض قوم | وبرؤياه سن كل سناء |
كم له منة على كل نفس | وله ضنة على نفساء |
واحد في صفاته ثاني اثنيـ | ـن لتخمير طينة الأشياء |
ثالث إن يعد في عالم الكو | ن وإن شئت رابع الخلفاء |
ما له خامس ولكن في الخا | مس منه عكس بغير خفاء |
عجب الناس من تناقض ما فيـ | ـه مع الاعتدال والاستواء |
ظاهر طاهر خفي حفي | زائد ناقص مريء مراء |
صاعد نازل أمين خؤون | ناصر قاصر شديد العناء |
فابن ما ألغزت يا واحد العصـ | ـر كفيت الروى وشر البلاء |
يا إماما حلى عقود العلائي | كونه واسطا لها ببهاء |
قد بدا لغزك اللطيف بديعا | مشرقا منه أنجم الجوزاء |
هو في دقة الهواء ولكن | حاز وصف الزلال عند الصفاء |
فهو در والدر في الماء يلقى | فلهذا لم يعده بتناء |
نوع الوصف ما لغزت فأضحى | كل فكر لديه في إعياء |
كيف لا والذي تضمن بحر | من بيان يعز في الإحصاء |
ظاهر لفظه ولكن معانيـ | ـه تناهت في دقة وخفاء |
وينابيعه تسح زلالا | بمعين من ألطف الأشياء |
ليس يخفى أني أشرت الى ما | ضمن اللغز في أتم جلاء |
فابق كنزا للطالبين مفيدا | والق عزا ودم بكل سناء |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 561