إبراهيم بن ميمون، الصائغ، المروزي روى عن أبي حنيفة، وعطاء، وغيرهما.
وروى عنه حسان بن إبراهيم، وغيره.
وروى له النسائي، وأبو داود.
وقال النسائي: لا بأس به.
قال السمعاني: كان فقيها فاضلا، قتله أبو مسلم الخراساني بمرو، سنة إحدى وثلاثين ومائة.
قال ابن المبارك: لما بلغ أبا حنيفة قتل إبراهيم الصائغ بكى حتى ظننا إنه سيموت، فخلوت به، فقال: كان والله رجلا عاقلا، ولقد كنت أخاف عليه هذا الأمر.
قلت: وكيف كان سببه؟ قال: كان يقدم ويسألني، وكان شديد البذل لنفسه في طاعة الله تعالى، وكان شديد الورع، وكنت ربما قدمت إليه بالشيء، فيسألني عنه، ولا يرضاه، ولا يذوقه، وربما رضيه فأكله.
*فسألني عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى أن اتفقنا عل أنه فريضة من الله تعالى، فقال لي: مد يدك حتى أبايعك.
فأظلمت الدنيا بيني وبينه.
فقلت: ولم؟
قال: دعاني إلى حق من حقوق الله فامتنعت عليه، وقلت له: إن قام به رجل واحد قتل ولم يصلح للناس أمر، ولكن إن وجد أعوانا صالحين، ورجلا يرأس عليهم مأمونا على دين الله، فنعم.
وكان يقتضي ذلك كلما قدم على تقاضي الغريم الملح، فأقول: هذا أمر لا يصلح بواحد، ما أطاقته الأنبياء حتى عقدت عليه من السماء، وهذه فريضة ليست كالفرائض، يقوم بها الرجل وحده، وهذا متى أمر الرجل به وحده أشاط بدمه، وعرض نفسه للقتل فأخاف أن يعين على قتل نفسه، ولكن ننتظر، فقد قالت الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها} الآية سورة البقرة 30.
ثم خرج إلى مرو، حتى كانأبو مسلم فكلمه بكلام غليظ، فأخذه، فاجتمع عليه فقهاء خراسان وعبادهم حتى أطلقوه، ثم عاوده، فزجره، ثم عاوده، ثم قال: ما أجد شيئا أقوم به لله تعالى أفضل من جهادك، ولأجاهدنك بلساني، ليس لي قوة بيدي، ولكن يراني الله وأنا أبغضك فيه. فقتله، رحمه الله تعالى.
وروى ابن عساكر في ’’ تاريخ دمشق ’’ بسنده، عن الحسن بن رشيد العنبري، قال: سمعت يزيد النحوي، يقول: أتاني إبراهيم الصائغ، فقال لي: ما ترى ما يصنع هذا الطاغية! - يعني أبا مسلم الخراساني - إن الناس معه في سعة غيرنا أهل العلم.
قال: قلت لو علمت أنه يصنع بي إحدى الخصلتين لفعلت؛ إن أمرت ونهيت، يقبل منا أو يقتلنا، ولكن أخاف أن يبسط علينا، وأنا شيخ كبير لا صبر لي على السياط.
فقال الصائغ: لكن لا أنتي عنه.
قال: فذهب إبراهيم، فدخل على أبي مسلم، فأمره ونهاه، فقتله على ذلك.
وعن الحسن بن رشيد، أيضا، أنه قال: سمعت النعمان: أنا حدثت إبراهيم الصائغ، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’ سيد الشهداء حمزة، ثم رجل قام إلى إمام جائر، فأمره، ونهاه، فقتله على ذلك ’’.
وعن الحسن بن رشيد أيضا، قال: دعا أبو مسلم الناس إلى البيعة، فدعا الصائغ، فقال له: بايع طوعا غير كاره.
فقال الصائغ: لا، بل كرها غير طائع.
قال: فكيف بايعت لنصر بن سيار؟ قال: إني لم أسأل عن ذلك، ولو سئلت لقلت.
وقال أحمد بن سيار: وذكر يعمر بن بشر، قال: كتب إبراهيم الصائغ إلى أبي مسلم بكتاب، يأمره وينهاه، وذكر أنه كان بين أبي مسلم وبينه اجتماع أيام دعوته، وأن أبا مسلم وعده القيام بالحق، والذب عن الحرام أيام دولة بني أمية؛ فلما ملك أبو مسلم وبسط يده، دخل عليه إبراهيم الصائغ، فوعظه ونهاه.
فقال أبو مسلم: يا إبراهيم، أين كنت عن نصر بن سيار، وهو يتخذ زقاق الذهب للخمر فيبعث بها إلى الوليد بن يزيد!؟.
فقال إبراهيم: إني كنت معهم أخشى، وأنت وعدتني أن تعمل بالحق وتقيمه.
فكف عنه أبو مسلم، وكان إبراهيم يظهر مخالفته إياه، ومع ذلك لا يدع ما يمكنه.
تغمده الله برحمته؛ فما كان أحبه في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وروى ابن عساكر، بسنده عن علي بن الحسين بن واقد، عن أبيه، قال: لما قتل أبو مسلم إبراهيم الصائغ، فأحببت أن أراه في المنام، فرأيته، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي مغفرة ليس بعدها مغفرة.
قلت: فأين يزيد النحوي؟ قال: أيهات، هو أرفع مني بدرجات.
قلت: لم وقد كنتما سواء؟ قال: بقراءة القرآن.
قال: ورأيت في منامي رجلا على مصلاة على النار يغلي، فقلت: من هذا؟ فقالوا: أبو مسلم.
قال علي: فأخبرتني بعض أهل بيتي، عن أبي، قال: قيل لي في منامي: إنه سيرى في كل بلاد خراسان مثل ما رأيت في هذه الليلة.
وبالجملة، فقد كان إبراهيم من العلماء العاملين الآمر بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذابين عن محارم الله، الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم. رحمه الله تعالى ونفعنا ببركاته، وبركات علومه، في الدنيا والآخرة، آمين.