القاياتي، شمس الدين محمد بن علي
القاياتي، شمس الدين محمد بن علي
حقيق أنت بالذكر الجميل | لبعدك في زمانك عن مثيل |
طلعت على البرية شمس علم | فلا عجب مصيرك للأفول |
ولما أن حصلت على كثير | من الأخرى فصلت من القليل |
رحلت لما إذ خرت من المعالي | أثيرا جاء للمجد الأثيل |
ومن كانت أمانيه قريبا | جدير أن يبادر للرحيل |
ركبت مطية الحدباء لما | أنفت من الركوب على الخيول |
تجر وراءها علما وزهدا | إذا أعتاد الورى جر الذيول |
وصلت إلى الأمان وللأماني | فبشرى بالوصال وبالوصول |
ستقرا ثم ترقى ثم تقري | بذا جاءت أحاديث الرسول |
وتسقي من رحيق الخلد كأسا | يكون مزاجها من زنجبيل |
وتلقى من رضى الرحمن امرا | يقصر عنه معقول العقول |
ألا يا طال ما أجهدت نفسا | مخالفة لرأيك في القبول |
وكم كلفت من أمر مشق | وكم حملت من عبء ثقيل |
وكم كابدت من هول شديد | وإيسره معالجة الجهول |
عدلت عن القضاء السوء لما | عدلت ولم تقصر في العدول |
فدونك جنة المأوى جزاء | بما أسلفت في العمر الطويل |
تجد ثم الرضى من روضها في | غصون القرب نابته الأصول |
فقل ما شئت في روض أريض | وقل ماشئت في ظل ظليل |
وإن طلب الورى مني دليلا | على دعوى مقيلك في مقيل |
فليس يصح في الذهان شيء | إذا احتاج النهار إلى دليل |
ظهرت فلست تخفى عن أريب | ولم ينكر سناك سوى جهول |
كذاك الشمس لم ينكر سناها | إذا طلعت سوى الطرف الكليل |
جزيت عن البرية كل خير | ومعروف وإحسان جزيل |
ولا زالت هبات الله تترى | على مثواك كالغيث الهطول |
هبات غاديات رائحات | إليك تحملت روح القبول |
سلوا بجنح الليالي الطيف هل هجعا | متيم بعدكم بالغمض ما طمعا |
يا حبذا طيفكم في الليل من قمر | لو كان في أفق الأجفان قد طلعا |
يا جيرة الجزع لا لاقيتكم جزعا | أواه كم ذا ألاقي بعدكم جزعا |
أحبابنا ما أضاء البرق مبتسما | إلا دعي من دموعي وإبلا همعا |
ولا شدا طائر إلا وضعت يدي | على فؤادي ظنا إنه وقعا |
سقيا لعيش على جرعاء كاظمة | من بعده كم سقتني أدمعي جرعا |
عيشي بوصلكم مثل الخيال مضى | يا لهف قلبي عليه رق فانقطعا |
آها لقلبي في ليل الشباب غفا=جهلا ولم يتنبه للذي صنعا وقال أن لاح صبح الليل أيقظني | قلت انتبه فضياء الشمس قد سطعا |
وانظر له شمس أوصاف سناه دنى | للناس حيث المحل الأعظم ارتفعا |
به تشرفت القايات وانفردت | فما العراق مضاهيها لمن جمعا |
قايات غايات فضل غير أنهم | بالقاف سهوا اعاضوا الغين فاتبعا |
قاضي القضاة الذي بالعدل آمتنا | فالذئب للشاة خوفا من سطاه رعى |
الألمعي الذي مرآه فكرته | تريه بالعين وجه الحق ملتمعا |
ويعبد الله كالرائي جلالته | فطرفه من حيا أو خشية خشعا |
وتر الصفات بهذا العصر مجتهد | فالشافعي بلا شك به شفعا |
فتوة وفتاوى لا نظير لها | تخاله في الندا والعلم مخترعا |
بحثت عنه فنعمان منزلة | لكن مدى مجده عن طالب منعا |
طباعه الخير بل منها معادنه | فالخير اجمعه من طبعه طبعا |
حديث سوءدده المرفوع افرط في | حسن إلى أن حسبنا أنه وضعا |
وأحرز السنبق للعلياء من قدم | وإنما ظن مسبوقا اذ اتضعا |
له يراع اقام الشرع اسمره | كم منه رنح خطيا وكم شرعا |
صحت أمامته بين الورى فلذا | يبدو لهم بحبير الحبر ملتفعا |
يضيء بين بنان يستهل ندى | كالبرق من خلفه صوب الحيا همعا |
لا عيب فيه سوى سحر نوافثه | أمست لألباب ارباب النهى خدعا |
يا شيخ الإسلام يا قاضي القضاة ومن | تزينت بحلاه الرتبتان معا |
هنئتها رتبا عليا نصبت لها | بل هنئت منك سامي القدر مرتفعا |
إن ضاق صدري في أرجاء تهنئة | ارجو عوائد حلم للورى وسعا |
أنت الذي لو درى ذو الهفو لذته | بالعفو كان لديه بالذنوب سعى |
فاستجل بكر معان صغت حليتها | من البيان فحلت منظرا بدعا |
بالنون عوذتها عينا علت وغلت | وأشهدتك مقالا عذبه نبعا |
أثنت بصدق جميع الناس تشهده | كأن سامعها بالعين قد سمعا |
طوقت جيدي بالنعمى فلا عجب | إذا المطوق في اوراقه سجعا |
أنشأ تني نشأة الأبناء ذا أدب | فانظر لإنشاء أنشاك الذي برعا |
ومن كأبنائك الغر الذين حكوا | صفاتك العلم والآداب والورعا |
فذا بهاء به الدنيا قد ابتهجت | وذا شهاب على افق العلى طبعا |
أبقاهما الله في ذي رفعة وعلى | دهرا ولا زال هذا الشمل مجتمعا |
وعشت تصغي لإمداحي فإن قصرت | فليس يقصر ود خالص ودعا |
بك قد تم سعدنا يا إماما | قد تولى القضا بعلم وفضل |
كم اصول قد اينعت وفروع | ظهرت من تتمة المتولي |
المطبعة السورية الأمريكية - نيويورك / المكتبة العلمية - بيروت-ط 0( 1927) , ج: 1- ص: 154