ابن قلاقس نصر بن عبد الله بن عبد القوي اللخمي، أبو الفتوح، الاعز، المعروف بابن قلاقس الاسكندري الازهري: شاعر، نبيل، من كبار الكتاب المترسلين. كان في سيرته غموض، وظفرت بما يجلو بعضه. ولد ونشأ بالاسكندرية. وانتقل إلى القاهرة، فكان فيها من عشراء الامراء. وكتب إلى فقهاء (المدرسة الحافظية) بالاسكندرية، ولعله كان من تلاميذها، يقول، بعد ابيات: (كتبت اطال الله بقاء موالي الفقهاء انجم المهتدين وصواعق المعتدين، من مصر حرسها الله، وقد خرجت بظاهرها ليلة الجمعة للنزهة مع الامراء ادام الله علي امتداد ظلهم.. ) وضمن رسالته هذه قصيدة، قال فيها:
أرى الدهر اشجاني ببعد، وسرني=بقرب، فأخطأ مرة، واصابا#فإن ارتشف شهد الدنو فإنني | تجرعت للبين المشتت صاباثم عاد اليها. ولقى فيها ابا الحسن (سعيد بن غزال السامري كاتب الضرغام) وطلب من أبي الحسن شيئا من شعره وبعض ترسله ليضمنهما كتابا له سماه (مواطر الخواطر) ويجعلهما (نجمي حلكه، في فلكه، ودري نحره، في بحره) كما جاء في رسالة كتبها بعد ذلك اليه. وزار صقلية (سنة 563) وكان له فيها اصدقاء، يكاتبهم ويكاتبونه، منهم القائد (غارات بن جوسن خاصة المملكة الغليلمية) والشيخ (ابن فاتح) و (السديد الحصري) واخصهم القائد أبو القاسم بن الحجر، وقد صنف فيه (الزهر الباسم في اوصاف أبي القاسم). وكان يكثر النزول بعيذاب (من ثغور البحر الاحمر، شمالي جدة) ومنها كتب إلى الوزير (الاسماعيلي) الاديب (أبي بكر العيدي) في عدن، انه كان يعد نفسه بزيارته، وكات نفسه تقتضيه الوعد: (على اني عرضت عليها السير وازعاجه، والقفر ومنهاجه، والبحر وامواجه، فأبت الا البدار، وانشدت: من عالج الشوق لم يستبعد الدار... ) ويذكر في الرسالة عمارة اليمني المعروف او المتهم بصلته بالاسماعيلية فيقول: (مازال يختصر لي قرآن محامد الحضرة في سورة، ويجمع لي العالم منها في صورة، حتى رأى السفر وآلاته) إلى ان يقول: (وقد علمت الحضرة ان السفر اليها، فليكن السكن والسكون مضمونا لديها، محسنة مجملة ان شاء الله تعالى). ودخل عدن (سنة 565) ثم غادرها مبحرا في تجارة. وارتطمت سفينته بصخرة في جزيرة (نخرة) بضم النون وسكون الخاء (وسماها ابن خلكان جزيرة الناموس؟) قرب دهلك (قال ياقوت: ويقال له دهيك ايضا، وهو مرسى في جزيرة بين بلاد اليمن والحبشة) فتبدد (ثلثا) ما معه من فلفل وبقم وسمواهما. واسعفه سلطان دهلك (مالك بن أبي السداد) بالطعام والملابس، له ولرجاله، وانزله عنده. واستكتبه في منتصف جمادى الآخرة (566) رسالة إلى (السيد عبد النبي بن مهدي) صاحب زبيد، ورسالة اخرى (غير مؤرخة) إلى (القاسم بن الغانم بن وهاس الحسني صاحب بلاد عثر، بين الحجاز واليمن) وكتب هو، في غرة رجب 566 إلى (أبي بكر العيدي) الوزير بعدن، اثنتي عشرة صفحة صغيرة، هذه فقرات منها: (.... من جانب الصخرة، بنخرة... وشوقي يكاثر الفلفل المبدد في السواحل، والبقم المفرق في المراحل... مازالت تترامى بنا الافواج والامواج، حتى استأثرت بأموالنا وآمالنا... نعم، قد سلم الثاث، والثلث كثير، وحصلنا بجزيرة دهلك، والسلطان المالك ابن أبي السداد.. ساعدني بالبز والبر... ووثقت منه بوعد في خروجي هذه السنة عند عود رسوله من بر العرب) ثم يحدثه ببعض الاخبار: (ووردت كتب مضمنة جملة من الاخبار المصرية، منها ان السلطان الاجل صلاح الدين... غزا غزة من بلاد الفرنج خذلهم الله؛ وكسر، واسر، وعاد غانما والحمد لله، ورفع المكوس، وجعل دار الشحنة بمصر مدرسة للعلم). ثم يخبره بنجاة اشياء (لعلها هدايا) كان قد سلمها اليه، ويذكر بعضها ويقول: (وحصر ذلك يستدعى زمانا، وبيانا، وبنانا، ولسانا، وجنانا وامكانا، وهذيانا! فالعذر في تركه واضح) ويقول: (كانت معي كتب كتب البحر عليها المحو، فلا شعر ولا لغة ولا نحو! لم يسلم سوى ديوان شعر ابن الهبارية، بعد اخذه من البلل... ضاع شعري كله، وانحط عن متن نظري فيه كله (اي ثقله) فقد كنت لا اخلو من اصلاح فاسد، ومداراة حاسد) ويخبره بأنه بدأ بنظم قصيدة فيه، مطلعها: #وشئ بسرك عرف الريح حين سريوانه نظم قصيدة في (السلطان المالك) اولها: #قفا فاسألا مني جفونا واضعاوكتب اليه في رسالة اخرى، يشكو طول الاقامة بدهلك، ويقول: (ولولا ان يعثر القلم لجرى وجر، وسرى وما سر، فقد امتلأت المسامع بسوف، وعلمت المطامع انها بوادي عوف! وكنت امنع بيع الشعر في زمن اقل مايتشارى فيه بالذهب، فصرت اصرفه بالبخس... نعم نزلت على ام العنبر، فلعنت البحر مع البر) ثم يقول: (تسلفت من التجار بزا... واشتريت به من العبيد، وعولت على قطع البيد، إلى زبيد... وادخل من هناك إلى عدن) وقد فعل. وهذه قصة غرقه، كتبها بقلمه، وانتفى بها زعم المؤرخين جميعا بأنه (غرق جميع ما كان معه وعاد إلى أبي الفرج -ياسر بن بلال المحمدي- وهو عريان!) ومع ما يلاحظ من ضيق صدره في دهلك (وقد هجاها وصاحبها مالكا، ببيتين ذكرهما ياقوت) فأنه كان على اتصال بالسلطان، في مصر. وهذه فقرات من (كتاب سلطاني) ارجح ان كتبه من دهلك: (الممنلوك يقبل البساط الشريف... ولما كان في هذه المدة حدث بالجانب المتملك عليه البليني -؟- من خرق حرمة الاسلام وهدم مساجده.. ومنع الوصول إلى السواحل بما كانت العادة جارية به من الغلال وغيرها من الاطعمة، كل ذلك برأى المطران الواصل اليها من الديار المصرية حماها الله... ولم يخرج المطران المذكور الا بعد اخذ المواثيق عليه من البطرك بأن لايحجث حادثا من إالجاء المسلمين إلى التنصر ولا يهدم مسجدا ولايخرج عن الطريقة المعهودة من مثله... والرغبة إلى المجلس السامي، ادام الله ملكه، امره المطاع إلى البطرك المقيم بظله الشريف بتنفيذ مطران ثان عوضا من المطران الاول، وتجديد المواثيق والعهود عليه... وان يكون طريقه على ثغر دهلك... ) لمقابلته؟ ويختم بقوله: (والمملوك يسأل المراحم العالية في تقويته على ما هو موقوف بصدده، بما يحسن في الآراء العالية وتقتضيه الاريحية ويأمر به الكرم ويجبه السماح ان شاء الله تعالى) ويستفاد من الجملة الاخيرة معنى كبير قد يجعل رحلاته كلها (لمصالح السلطان). وممن كان يكاتبهم (أبو الشكائم عنان ابن الامير ناصر الدين نصر بن العسقلاني) و (عز الكفاة بن أبي يوسف) و (الامير نجم الدين ابن العسقلاني) و (جلال الدين بن العسقلاني) و (الثقة أبو الحسن سعيد بن أبي يعقوب) و (أبو الغنائم بن أبي الفتوح الكموي متولى الفرضة بثغر عدن) و (القاضي الاشرف ابن الخباب) و (الشيخ الجليل ابن عرام) وله في بعضهم شعر. واكثرهم ممن جهلهم التاريخ، لضياع المصدر الذي يسر الله لي اقتناءه اخيرا، وهو المخطوطة الفريدة، فيما اعتقد، من كتاب (ترسل الاعو أبي الفتوح نصر بن عبد الله بن عبد القوي، المعروف بابن قلاقس) كتبت برسم (الخزانة المولوية السيدية الخ) سنة 592 أي بعد وفاته بخمس وعشرين سنة، وكان قد جمعها هو في الشهور الاخيرة من حياته، بعيذاب؛ اجابة لطلب الفقيه أبي الحسن (علي بن عبد الوهاب بن خليف) واختفاء هذه النسخة ايام (ابن خلكان) ومن قبله وبعده، ادى إلى اضطرابهم في اسمه وحقيقة خبره، فسماه العماد الاصبهاني (نصر بن عبد الله بن علي الازهري) ولعله استكمل دراسته في الأزهر، وسماة أبو شامه: (نصر بن عبد الله الأسكندري) وجاء بعدهما ابن خلكان، فجعله (نصر بن عبد الله بن مخلوف بن علي بن عبد القوي) وحار من اطلع على هذة المصادر الثلاثه، بأيها يثق؛ فرجح ابن كثير الروايتين الأولين (ولا تعبأ بورود اسمه في النسخه المطبوعه من البدايه والنهايه، نصر الله، فانه سماة نصرا)، والزيادة من الناسخ أو الطابع) وأخذ ابن قاضي شهبه ترجمته عن ابن خلكان، فسماة (نصر الله) ثم كتب على الهامش بخطه: (سماة ابن كثير، تبعا) لأبى شامه: نصرا وصوروة جميعا: (شاعرا، ومادحا، ينتجع الكبراء، ويفوز بعطاياهم) ولم أر في ديوان ترسله أثرا لاستمناح أو صغار، خلا ما كان الأسلوب يقتضيه من تعبير الكاتب عن نفسه بالعبد والخادم والمملوك. وهو القائل (كما في المطبوع من ديوانه) لممدوحه ياسر بن بلال: (وما زلت زوار الملوك، مبجلا لديها، عزيزا عندها، مترفعا) وبعد طوافه بزبيد وعدن، استقر في (عيذاب) وربما كان يفضلها، لتوسطها بين مصر والحجاز واليمن، تبعا لاقتضاء المصلحه؟. وتوفى بها. أما كتبه، فشعره كثير غرق بعضه (كما تقدم) وبعضه في (ديوان -ط) ولمحمد ابن نباتة المرصي (مختارات من ديوان ابن قلاقس-خ) في خزانة الشيخ علي الليثي بمصر؛ وفي المكتبة الاهلية بباريس، مخطوطة (رقم 3139) من (ديوانه) فيها زيادات على المطبوع (كما يقول محمد بن شنب، في دائرة المعارف الاسلامية) وسبق ذكر تأليفه (مواطر الخواطر) ولعله على طريقة الخريدة، و (الزهر الباسام) اما (ديوان ترسله-خ) ففيه من شعره ما ليس في دواوينه، ومنه استفدت اكثر مادة هذه الترجمة، وقد اطلت بها لخلو المصادر من معظم ما ذكرته عنه. |