أبو الفتوح
محمد أبو الفتح المالكي
محمد أبو الفتح المالكي
أطعت الهوى عكس القضية ليتني | خلقت كبيرا وانقلبت إلى الصغر |
قلت: وحقيقة الشيخ أبي الفتح كما تلقينا ممن لقيناه، واشتهر عنه أنه كان فقيها أصوليا يفتي الناس على مذهبه، وفتاويه مقبولة، وله حرمة باسطة، ووجاهة ظاهرة، وكان علامة في النحو والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع والعروض، والمنطق، وأكثر العلوم العقليه والنقلية، وكان له الباع الطويل في الأدب، ونقد الشعر وشعره في غاية الحسن إلا أنه كان متكيفا يأكل البرش والأفيون كثيرا لا يكاد يصحو منه، وربما قرأ الناس عليه في علوم شتى، وهو يشرد، فإذا فرغ القارئ من قراءته المقالة فتح عينيه، وقرر العبارة أحسن تقرير، وكان على مذهب الشعراء من التظاهر بمحبة الأشكال، والصور الحسنة حتى رمي، واتهم، وكان لا يتحاشى عن مخالطة المرد الحسان، وكان هجاء تتفق له النكات في هجائه، وفي شعره، ولو على نفسه، وكان مغاليا في نصرة القهوة المتخذة من البن غير منكر لها وله فيها مقاطيع مشهورة، ولطائف غير منكورة، وربما كان يراجع الطلقات الثلاث، وكان يقع في حق العلماء، والأكابر، وإذا وصل إليه نوال من أحدهم مدحه، أو أثنى عليه، وكانوا يخافون من لسانه، ولي نيابة القضاء بالمحكمة الكبرى زمانا طويلا مع الوظائف الدينية، وحمل عنه الناس العلم وانتفعوا به وأنبل من تخرج به في الشعر، والعربية العلامة درويش بن طالوا مفتي الحنفية بدمشق ومدرس السليمانية بها، وسلك طريقته فيما هو فيه، وكان الشيخ أبو الفتح المالكي حجته في كل ما يأتيه، وذكره ابن الحنبلي في تاريخه، وقال: قدم حلب سنة ثلاث وخمسين وتسعمئة، واتفقت بيننا، وبينه جمعية بجامعها، وشهدنا له محاضرة جيدة في فنون شتى قال وكان قد سألني يومئذ سؤالا نحويا رمزت إلى جوابه في المجلس، ثم أوضحته في هذه الأبيات وبعثت بها إليه:
أيا من له التحقيق في كل ما فن | ومن شأنه الإتحاف من غير ما من |
جوابك لي قد مر رمز جوابه | لديك، وقد شوهدت متقد الذهن |
سألت عن التنوين في جمع حاجة | أليس لتمكين على القطع لا الظن |
وهل منع حاجات عن الصرف واقع | ليمنع تمكينا به صاحب الفن |
وقد مر في المغني لنا غير مرة | جوابك منقولا وناهيك بالمغني |
ومحصوله أنا وجدناه ثانيا | وقد صير اسما ذلك الجمع يا خدني |
ولكنني مولاي مستشكل له | وما لي صريح من جواب ولا مكني |
أفقدك للتنوين من بعد موجب | لمنعكه من قبل يا من له نعني |
وهل مانع من أن يكون مقابلا | وتنوين تمكين معا عند ذي ذهن |
وهل مثبت التنكير في رجل له | محيد عن التمكين كالسبب الحزن |
كما أنه لا منع من جمع ذا كذا | فلا منع فيما نحن فيه فقس وابن |
وجد لي بشعر من قريضك ألقه | عزيز عزيز المثل يا مقتدي معن |
كم باسم والده على عشاقه | يسطو فيا حزناه من أحداقه |
ظبي ظبى ألحاظه قد جردت | للفتك بالشاكين حول وطاقه |
رشأ كحيل الطرف معسول اللما | عذب المراشف آخذ بعناقه |
يفتر. عن نظم الثريا ثغره | وينوء بالجوزاء تحت نطاقه |
قسما بصبح جبينه لو زار في | جنح الدجى وسعى إلى مشتاقه |
لفرشت خذي في الطريق مقبلا | بفم الجفون مواطن استطراقه |
ووهبت ما ملكت يدي لمبشري | بلقاء حضرة منعم بوفاقه |
لما كملت عمارة الحمام | وأزداد به حسن دمشق الشام |
قالت طربا وأرخت منشدة | حمامك أصل راحة الأجسام |
#لك صدغ عقرب على مريخ خدك دب #وقوس حاجبك دايم مشتريه الصب #وكم أسد شمس حسنك يا قمر قد حب #والعاذل الثور في زهرة جمالك سب وقال حاكيا للسان حال الجامع الأموي:
يقول على ما قيل جامع جلق | ألم يك قاضي الشام عني مسؤولا |
تسلم للأعجام وقفي لأكله | ويروى لهم عني كتاب ابن مأكولا |
أبعد فتى السبكي أعطى لسيبك | وبعد الأمام الزنكلو لزنكولا |
أقاموه لي قردا بشباك مشهد | وضموا له قردا على الرفض مجبولا |
يؤمل كل أكل مالي بأسره | فلا بلغ الله الأعاجم مأمولا |
كم نزهة في يلبغا تبتغي | ومدرج لم يخل من دارج |
يا حسنه من جامع جامع | فاق على الزوراء من عالج |
يموج في بركته ماؤها | تحت منار ليس بالمايج |
مأذنه قامت على بابه | تشهد للداخل والخارج |
إلى يلبغا فارق أعلى الدرج | بشرقيه تلق باب الفرج |
وخذ يمنة منه نحو الشمال | تصادف هنالك باب الفرج |
ومل مسرعا نحو غربيه | تجد باب عرف نسيم الأرج |
ومن حوله عصبة لم تزل | لها تحت سرحته مفترج |
تقضي نفائس أوقاتها | بأخبار من قد مضى أو درج |
فإن كنت عن حالهم سائلا | فليس على مثلهم من حرج |
هذه القهوة هذي | هذه المنهي عنها |
كيف تدعى بحرام | وأنا أشرب منها |
أقول لقوم قهوة البن حرموا | مقالة معلوم المقام فقيه |
فلو وصفت شرعا بأدنى كراهة | لما شربت في مجلس أنا فيه |
لا ضر أحبابي ولا روعوا | غبنا فما زاروا ولا ودعوا |
يا من لصب بين أطلالهم | يهيم لا يرقى له مدمع |
ترحلوا فالدار من بعدهم | لبعدهم أطلالها بلقع |
لا واخذ الرحمن من ضيعوا | عهدي وإن خانوا وإن ضيعوا |
نذرت أن عادوا لهم مهجتي | هيهات ما في عودهم مطمع |
ألا لعن الله الخصاصة والفقرا | فإن سواد الوجه بينهما يطرا |
وما الذل إلا فيهما وعليهما | وما العز إلا بالغنى وهو بي أحرى |
ومن يك في الدنيا فقيرا ومعدما | يجد من بنيها المقت والصد والهجرا |
فلا تك عن كسب الحطام بغافل | لتبلغ في الدنيا السعادة والفخرا |
يا أيها الفاضل أوضح لنا | قضية صحت بلا مين |
في رجل فاه بقذف امرئ | فرتب الحد على اثنين |
هذا فتى أغرى سدي عبده | بقذف شخص طاهر العين |
فالحد للسيد والعبد في | قول صحيح عند عدلين |
مرحبا بالحمام ساعة يطرا | ولو ابتز من مدى العمر شطرا |
حبذا الارتحال من دار سوء | نحن فيها في قبضة القهر أسرى |
وإذا ما ارتحلت يا صاح عنها | لا سقى الله بعدي الأرض قطرا |
مذ عالم الدنيا قضى نحبه | منتقلا نحو جوار الإله |
قد أغلق الفضل به بابه | مؤرخا مات أبو الفتح آه |
مات أبو الفتح إمام الورى | يا ويح أهل الشام من بعده |
ما زال قبل الموت يقري إلى | أن ساقه الموت إلى لحده |
مشتغلا في العلم مستغرقا | أوقاته فيه وفي سرده |
دار الكتب العلمية - بيروت-ط 1( 1977) , ج: 3- ص: 19