أبو الفضل الأنصاري
أحمد الكردي
أحمد الكردي
هذي مناي بلغتها لأوانها | فالحمد للافلاك في دورانها |
الآن قرت بالتواصل أعين | طال اغتراب النوم عن أجفانها |
كم بت في ليل الفراق مرددا | بيتا يسلى النفس عن أشجانها |
يا ليت شعري هل أرا منشدا | دهما نبذ الدرهم يوم رهانها |
النيل أيتها السفين فليس لي | في فارس ارب ولا أرجانها |
فترشفي من ثغر دمياط المنى | لأظل ذاك الشعب من بوانها |
من فوق حماء القرا نوحية | تثنى بصنعتها على سفانها |
وجناء لارعى الغضا من همها | يوما ولا ورد إلا ضامن شانها |
سارت فشقت من خضارة أزرقا | شق الثكول السود من قمصانها |
وتعسفت أمواج يم مترع | كالأيم إذ تنساب من كثبانها |
هندية في الماء ألقت نفسها | والهند تلقي النفس في نيرانها |
زنجية غنت لها ريح الصبا | فغدت تجيد الرقص في أردانها |
تمشي على الدأماء فعل ولية | وتطيع جهر أعابدي صلبانها |
دار متى فتحت تلافي هلكها | سكانها أسرى يدي سكانها |
أفتلك فتخاء الجناح تصوبتـ | ـم الجو فهي تسف في طيرانها |
أم عرمس هوجاء مهما راعها | صوت الرياح تجد في ذملانها |
أم مومس ورهاء ليس يليقها | بعل ولا تأوى إلى أوطانها |
أم تلك من سرب المها وحشية | نشأت خلال الماء مع حيتانها |
آلت على أن لا تقر بمرفأ | والبر كل البر في أيمانها |
أو تجلعن من نيل مصر ورودها | عللا وتمضي بعد ذاك لشانها |
وهناك نسلمها إلى أخواتها | اللائي غدت تمشي على آسانها |
فتظل بين الموجتين شوارعا | في النيل سبق الخيل في ميدانها |
تنفك تحدوها الشمال فإن ونت | عنها ظللن يقدن في أرسانها |
تسمو لتنظر قلعة الجبل التي | تجلو بطلتها صدا أحزانها |
وإذا أدار الصحب ذكرى راغب | طارت هوى وعصت على ربانها |
المشتري طيب المحامد بالبهي | ويرى قليلا ذاك في أثمانها |
والتارك الماضين من أسلافه | خير محته الناس من أذهانها |
هو كعبة الوزراء إن بصرت به | بدرت إلى التقبيل من أركانها |
أزرى بإنشاآته الكتاب بالـ | ـلسن الثلاث فإذ عنو لبيانها |
والعرب لو تر مثله لم تفتخر | في قسها يوما ولا سحبانها |
فخر الدولة آل عثمان بمن | هو كالفريدة من عقود جمانها |
فيمثله أنتظمت ممالك ملكها | وبرأيه وثقت عرى سلطانها |
كم راغب في أن يكون كراغب | وأرى المواهب في يدي منانها |
والاسم في الوزراء مشترك ولـ | ـكن ما عتاق الخيل مثل هجانها |
فإن اغتد وأوزر النصرة دولة | فهو الشباة لسيفها وسنانها |
حاطت مهابته الممالك قاعدا | كالبيض ترهب وهي في أجفانها |
حتى تسأوى خصبها والأمن من | أرض العريش لمنتهى أسوانها |
من بعد ما كأنت مصاعب بفيها | في السوح منها ملقيات جرانها |
وتبيغت فيها دماء فسادها | دهرا فكان البرء في سيلانها |
لم أدر مرهف عضبه أمضى إلى | الأعداء أم يده إلى احسانها |
أبد له لم أنس نائلها وهل | تنسى الغيوم الغر في تهتانها |
وخلائقا مثل الرياض يزينها | صدح العلوم له على أفنانها |
يا أيها الدستور والشهم الذي | ألقت إليه أولوا النهي بعنانها |
وأخا الصوارم كالبروق كلاهما | يعلو الرءوس فهن من إخوانها |
لم أقصر التمداح فيك وانما الـ | ـبئر النزوع قصرت من أشطانها |
ضمنك مصر ضم مشتاق إلى | مرأى علاك وشبكت ببنانها |
ولطالما سمعت بأنك واحد الـ | ـدنيا فصدق حدسها بعيانها |
فافخر بها أعلى المناصب انها | تخت الملوك الصيد في سلطانها |
بهرام سيفك في الرقاب وأنت في | أعلى سماء العز في كيوانها |
ربما خطب ببال سيدي أن يسال عن عبده الأقدم وسهم كنأنته الاقوم من حطه وترحاله وتلاعب الدهر بأحواله ليجدد ربوع العهود الدوارس ويضئ ليالي تفرقنا الدوامس فأخبرها إني امتطيت الدهماء وخبطت بها الدأماء في عشري ربيع الثاني من سنة ألف ومائة وإحدى وستين حتى وردنا النيل في أواخر جمادي الأولى من هذه السنة ودخلنا القاهرة المعزية واجتمعنا بمولانا الوزير ذوي القدر الخطير راغب باشا وكنت وأنا في البحر قد بغمت بأبيات في وصف السفينة وتخلصت إلى مدحه فأنشدته إياها كما واجهته فانبسط إليها وأذن وهو بنقد أمثالها قمن والقصيدة المذكورة كتبت لكم إياها في صفحة هذا الطرس وضمخت تلك العروشة بمسك هذا النقس وإنما جلوتها عليكم وزففتها إليكم لما عساكم أن تسايلوا الركبان وتستخبروا كل نوتى وربان ما فعل تلميذنا القديم وصديقنا الحميم وهل بقي له في طرابلس شعرا وشعور أم جرت عليه اذبالها الدهور وهل خمدت نار فهمه أو فل غرار عزمه وحزمه سيدي والقصيدة ليست تصلح للعرض عليكم ولا أن تتلى بين يديكم ولكنها لما كأنت في وصف السفينة نادرة الاسلوب معطرة بذكر راغب منها الاردان والجيوب أحببت أن أرسلها إليكم لتكون سببا لذكرنا بعد النسيان ومفخرة لكم عند الاخوان إذ أنا قطرة من بحرك ونفثة من نفثات بيانك وسرحك ولك المثل الأعلى في الآخرة والأولى هذا ثم سيدنا قابلنا بالاكرام والأجلال والاعظام من ارسال الملابس الفاخرة والدراهم الوافره واركأبي الفرس المحلى وفوزي من تقريبه بالقدح المعلى فلما كان بين جماد ورجب رأينا كما قيل من الانقلاب العجب ونزل مولانا من القلعة وحق على من قصده بالسوء الملامة والشنعة وليست بأول عظيمة ارتكبوها وفرعونية ابتدعوها بل شنشنة من اخزم ونكزة من أرقم وقد سلمه الله تعالى من ذلك الكيد وأيده منه بقوة جنان وايد ثم رحلنا من الديار وامتطينا غارب الأسفار وخلصنا من أولئك الطغام وبعدنا من تلك الفجرة الفئام حتى توسطنا طريق البحر بعد أن بلغت الأنفس التراقي والنحر جاء بشير من طرف ذلك الدستوز الوزير بأن باشا أعطى منصب أيدين المختلف وصف أهلها بتعصب عصاتها وأهل الدين فخلينا ذلك الفلك السيار إلى أنتحاء قطع تلك المفأوز والقفار إلى أن انخنا بأحسن مدنها المعروفة كوز الحصار وهو بلد مسور لكنه مطول غير مدور تخترق أكثر بيوته المياه كثير الفواكه والأمراض قليل الأدباء والقراض ما سمعوا بديوان أبي الطيب ولا عرفوا بكر المعاني من الثيب مع أن تلك البلدة نحو عشرين مدرسة كلها العلم الأدب مدرسه ولولا وجود مولانا لما قدرت أمكث ما مكثت ملحوظا مؤيدا ومن وجد الاحسان قيدا تقيدا سيدي قد كتبت لكم هذه الترهات التي لا حاجة لكم بها ولكنها وسيلة إلى ذكركم إياي وسوآلكم كيف كان مثواي وها إنني استأذنت سيدنا في الصله فأجازني بها مع الاكرام والصله وجئت برا لا بحرا لما قاسيت رعبا وذعرا ويا سيدي وعيشك والحرم إنني نقشت لكم هذا الرقيم من رأس القلم فأسألكم أغماض عين السخط عن كتأبي وأسبال ذيل الودود المحأبي
فأجابه بقوله
أعيذك بالقرآن العظيم والسبع المثاني يا من ليس له في عصره ثاني ولله أنت من ساحر بيان وناثر عقود جمان وناظم قلائد عقيان ومطأول سحبان ومعارض صعصعة بن صوحان فمن ذا يضاهيك وإلى النجم مراميك وشأوك يدرك وشعبك لا يسلك وها أنت قد اقتعدت النجم مصعدا واعتمت نهر المجرة موردا وسموت إلى حيث النجوم شبائك والمعالي أرائك حتى ملكت المجد بأيد وعلقته من النجدة بقيد وافترعت للمعالي هضابا وارتشفت من ثغور الأداب رضابا وجمعت طبع العراق إلى رقة الحجاز واقتطعت كلماتك الجوهرية جانبي الحقيقة والمجاز وملأت المهارق بيانا واريت السحر عيانا وسارت بمناقبك الركبان واعترف لك بالتفرد كل إنسان وأقر بالنزول عن درجتك كل من يزعم أنه مسأوي ونسبت إلى محاسنك محاسن أقوام فتبين أنها مسأوي وبلغت من الفضل والأدب مجمع البحرين ومن شرق البلاد وغربها ملتقى النيرين وما ظنك بمن منذ وافى وطنه لم يزل لا بد البدة الأسد قاعدا للأيام بمرصد والليالي تمنيه بكل أمنية والدهر يعده بمواهب سنيه حتى وثب وثبة الفهد ونهض نهضة النمر فخطا خطوة بلغ بها مصر القاهرة فيها من الأدب ما لو بلغ ابن نباتة لما نبت له لينة من آدابه الوافرة فحق لنا أن نطلق عليه أنه من أهل الخطوة ولا سيما خطوة نال بها عند عزيزها أسنى خطوه ولعمري إن من اهتز لسماع قوافيه عزيز مصر هزة العصفور بلله القطر وتهللت أسارير محياه عند القيام بالبشر وطوى ذكر غيره طي السجل للكتاب ونبذ كلامه نبذ الاثم والاصر لجدير بأن يطوى له البعد ويدمث له الحزن وتراض له شماس المطالب وتخضع له أعناق المراتب ويقض شوارد العلى وتطول يده إلى السهى ويصعد حتى يظن الجهول أنه حاجة في السما
لا تيأسن إذ ما كنت ذا أدب | على خمولك أن ترقى إلى الفلك |
فبينما الذهب الابريز مطرحا في | أرضه إذ غدا تاجا على الملك |
أبتات
أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك راس البعيران نفرا وإلى الله المشتكى من دهر إذا أساء أصر على إساءته فلقد جمح فأعيى الرواض ولم يبق له سهما في الوفاض إلا وقد قرطس فيما ينويه من الأغراض ولقد ذكرت في هذا المعنى أبياتا كنت أنشأتها وأنا في الروم زعمت أني لم أسبق إليها فإذا معناها في أبيات فارسية ومضمونها أن ما بعد الغين من لفظ عالم ألم واحد الآلام وهي
إن الزمان لأهل الفضل ذواحن | يسومهم محنا كالسيل في الظلم |
فهل ترى عالما في دهرنا فتحت | من غمضها عينه الأعلى ألم |
والجاهل الجاه مقرون بطالعه | إن النعيم يرى في طالع النعم |
فافطن لسر خفى دق مدركه | يناله ذو ذكا والفهم من أمم |
أرى الدهر يمنح جهال | وأوفر حظ به الجاهل |
وانظر حظى به نافصا | أيحسبني أنني فاضل |
وللمترجم من قصيدة
أرى قوامك من مياس املود | فما لقلبك من طماء جلمود |
وإن بخدك مخضر العذار بدا | فالموت الأحمر في أجفانك السود |
يا محرقا بهجير الهجر جسم فتى | ضم الضلوع على أحشاء مفؤد |
ومرسلا من جفون حشؤها سقم | رواشقا لا يقيها نسج دأود |
نعطفا يا غنى الحسن في دنف | لسائل الدمع منه أي ترديد |
نهاره الليل إن أوحشت ناظره | ما لم ير الصبح من ذيالك الجيد |
يا للعجائب من ريم لواحظه | ترتاع من سحرها الآساد في البيد |
يدر نبوأ مني القلب منزلة | ليت الذراع حظى منه بتوسيد |
ذو مبسم قد حوى در تخلله | ماء الحياة ولكن غير مورود |
وقامة كغضيب البان رنحها | ماء الصبا الغض لا ماء العناقيد |
ذوو جنة كجنى الورد ناضرة | تزيدها نظراتي أي توريد |
يا من يجود بموعد من خده | ويصد حين أقول ابن الموعد |
ويظل صباغ الحياء بخده | تعبا يعصفر تارة ويورد |
نظرت إلى وجه الحبيب وفي الحشا | تباريح وجد لا تريم ضلوعي |
فطرزه بالجلنار حياؤه | وطرز خدي بالشقيق دموعي |
خالسته نظرا وكان موردا | فاحمر حتى كاد أن يتلهبا |
حلو الفكاهة لا عيب ينقصه | إلا الصدود واخلاف المواعيد |
ولا عيب فيهم غيران سيوفهم | بهن فلول من قراغ الكتائب |
ولا عيب فيه غيران خدوده | بهن احمرار من عيون المتيم |
أحبب به وليالي الأنس تجمعنا | في ظل عيش مع الأحباب ممدود |
أزوره وعليه في الدجى مقل | من الأسنة لم تكحل بتشهيد |
لا أهب البيض في بيض النحور ولا | من طعنة في الخدود الحمر أخددي |
حتى حسبت السها عينا بها سنة | من الكبرى وسهيلا قلب رعديد |
ويا رعى الله أيام الصبا فلكم | أمسى يلذ بها عذلي وتفنبذي |
فلم أرى بعدها دهر اليسر سوى | زمان مفتي الورى ذي الفضل والجود |
خذ جانبا عن سهام اللحظ والحدق | فدرع صبرك منها الآن ليس بقى |
وإن شككت بفتك الغيد قاتله | تصيد أسد الشرى في سالك الطرق |
فذا فؤادي جريح من لواحظها | وذي دموعي حكت للوابل الغدق |
فتى بحب الغواني لا يزال به | ضرب من السحر أو داء من القلق |
من كل ماءسة الأعطاف لو رمقت | مدامعي لم تصل عطفا على رمقي |
تمشي وتسحب ذيل الدل رافلة | تثنى الغصن في خضر من الورق |
وربما التفتت شذرا بمقلتها | للعاشقين وهم صرعى على نسق |
يا جنة الخلد هلا نهلة لشج | من كوثر الثغر تطفي لاعج الحرق |
أعيذ بالميل داجي الشعر منك وبال | ضحى المحيا وزاهي الجيد بالفلق |
عجبت منك وأنت الشمس طالعة | وفي خدودك تبدو حمرة الشفق |
وليلة بالنجوم الزهر تحسبها | عروس زنج لها حلي من الورق |
والنسر مد جناحا ليس يقبضه | كأنه حائم جوعا على لمق |
وقد تبدى السهى للعين مختفيا | يحكي لانسان عين في البكا غرق |
مظعتها بفتاة ظلت أشربها | من صرف ريقتها في حالك الغسق |
تقول إذ مال بي سكر الهوى وغدا | لخصرها ساعدي كالطوق للعنق |
هأورد خدي مسك الخال نقطه | طوبى لملتثم منه ومنتشق |
ولست أنسى لها قولا وقد علقت | أيدي النوى بعناني أي معتلق |
أي البلاد تؤم اليوم مجتدبا | وما بكأس الندى فضل لمغتبق |
والجود قد مات من يحيه قلت لها | يحيى فباب رجاه غير منغلق |
فتى على البعد إن أضللت ساحته | هداك باهيي سنا من وجهه الطلق |
خمرة إن أضللت ساحتها | فسنا نور كاسها يهديك |
يا من على السحب قد آلى ليلثمها | قبل يديه وإن تحنث ففي عنقي |
يا من مدى الدهر لا تحصى مدائحه | ومن يرم حصرها بالنطق لم يطلق |
من لي بدر النجوم الزهر أنظمها | فغيرها بسوى علياك لم يلق |
وهاكها من نبات الفكر غانية | تهدي نسيم الصبا من نشرها العبق |
بكر من العرب ما قد شان بهجتها | سبى ولا سمعتها اذن مسترق |
بنفسك بادر رم بيتك واجتهد | وإن لم تجد أحكامه واصطناعه |
ولا تدخل العمار دارك انهم | متى وجد وأخرقا أحبوا اتساعه |
قد تبدى لنا محيا الصباح | واستطار الكرى نسيم الرياح |
فأجلياها على بكر مدام | بكرت بالسرور والافراح |
كاحمرار الشقيق لونا وإن شئت | فقل لي شقيقة الارواح |
شمس راح قد أشرقت في سماء الـ | ـدن تختال في بروج الراح |
تفضح الشاربين بالشفق الأحـ | ـمر بعد الغروب أي افتضاح |
نار فرس وكم سجدت إليها | وفتى الاغتباق والاصطباح |
تشبه العسجد المذاب لدى المز | ج وفي الطعم ذائب التفاح |
فاسقنيها على محياك يا بد | ر وجاهر بها على المصباح |
يا نديمي وللهوى بفؤادي | منه سهام العيون أي جراح |
كيف لي بالسلو في الحب أو من | سجن هذا الغرام كيف سراحي |
أشتكيك الهوى ولم أشتكي من | جور عدل القوام شاكي السلاح |
وجهه روضة الجمال ولكن | لا يريني بالابتسام الاقاحي |
لعبت خمرة الدلال بعطفيـ | ـه فأمسى ينبه سكران صاحي |
نافرا إن لمسته نفرة العا | شق عند استماع قول اللاحي |
يا شبيه الغصون اسكرت من احـ | ـداقك النجل خمرة الاقداح |
صل شهيد البدر حسنك في معـ | ـترك الحب يا نبي الملاح |
طال ليل المحب لم ير صبحا | طالعا من جبينك الوضاح |
قالوا علام تركت جامع جلق | شهر الصيام وليس ذاك بسائغ |
قلت المبيح به لترك جماعة | برد الشتاء ورؤية ابن الصائغ |
للشمس هل تعلمون من خبر | أم هل وقفتم لها على أثر |
ضلت طريق المسير أم غرقت | في البحر أم أقعدت من الكبر |
أم أسد النجم رام يقنصها | فاستترت بالغمام من حذر |
أم حسبتها السماء شمس طلا | فارتشفتها على سنا القمر |
فلا تراها الدوام صاحية | وقد حست من مدامها العطر |
يا لهف نفسي لفقد نيرة | كأنت سراج العشي والبكر |
فالأفق يشكو لطول غيبتها | والجو يبكي بأدمع المطر |
ويا شقائي بذا الثناء وهذا | الوحل قد حل عقد مصطبري |
طوفان طين لم يعتصم أحد | في البدو من لوثه أو الحضر |
زركش أثوابنا ودبجها | حتى غدت تزدري على الحبر |
ورب بيت غدا مشيده | يبكي بدمع للسقف منحدر |
حتى الزرأبي مع نمارقة | رأيتهم يسبحون في نهر |
هذا دم للسحاب منسفك | بسيف برق عليه مشتهر |
إن صفقت طور الدياجي | وتسربلت سبل الدواجي |
فهلا لها مثل اللجين | كأنما هو فوق عاج |
تلقى به سحب الشتا | رمت الدياجي بالدماج |
ليل تخلله الحيا | في صبغتي عفص وزاج |
طمست معالم شمسه | سحب مصدعة الزجاج |
شابت نواصي نوئه | وأتت معتقة الرتاج |
لقح الثرى بثلوجه | فغدت مقطعة النتاج |
ومقت شفوف سحابه | لكنها دعمت بساج |
والفجر وهم في الدجى | واليل مثل الطرف ساجي |
والرعد قلب واجف | والجو كالرحل المداجي |
والبرق نبض عرقه | تحت الدجى مثل اختلاج |
سقطت شأبيب الحيا | وجرت على كل الفجاج |
عذب فرات سائغ | لكنه ثمل الاجاج |
ثلج أقام على الربى | وكأنه حلب النعاج |
ملأ البسيطة فضة | مبثوثة لا لاحتياج |
صاغ القلائد للربا | وجلا القلائد للمحاج |
أتظنني في مدحه | ذاك المعرض للاهاج |
قد لج صوت سحابه | ماء السحائب واللجاج |
لزم الثرى فكأنه | قد جاء يطلب بالخراج |
فلكم رمى رجلا بكسر | ثم رأسا بالشجاج |
فالجرف ذو شرخ به | والطوف منه في انفلاج |
ولقد تمرد دأوه | وطغى على أهل العلاج |
عمت بلاياه الورى | ما في الورى منهن ناجي |
هل في الأنام من الورى | كنفي يضم إليه لاجي |
من وجهه شمس الضحى | وجبينه ذو الانبلاج |
ليظل يطعن نحره | منه بأطراف الزجاج |
ويشيمنا برق الربيع | بروضة ذات ابتهاج |
نشم نشر زهورها | من بعد طي واندماج |
ونسيمها يروى أحا | ديث المسرة بامتزاج |
وهو قوله
ورد المثال الذي رفع قدرا يروي أحاديث بشر ويسند بشرى فمال العبد بالسرور جانبا وقال بشراي إذ كنت عبدا مكاتبا وكنت كثيرا أرأود نفسي المنازعة أن تجهز إلى باب سعادتكم مطالعه تنبي بما جل بحماة المحروسة وما جرى على ربوعها المأنوسة إلى أن ورد المثال البديع الذي يقصر عن مماثلته البديع أما القصيدة المزرية جواهرها بالجمان الفائقة على نظم العقود الحسان فكادت أن تستوجب قافية الجيم ومعارضها يحتاج في تحصيل القافية إلى التنجيم وإلا فمن يحصل هذه القوافي ويكون في حسن المعارضة موافي وما يقدر على نظم الجواهر إلا الملوك الصيد والأكابر الأكاسر وأما النثر فما النثرة من أمثاله ولا الجوزآء من أشكاله وحق من ملك المولى زمام الكلام وأقدره على صوغ النثر والنظام إن فضل مولانا أشرق في الأقطار واشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار فلا نجد شاعرا إلا تحلى بأشعاره ولا نرى ناثرا إلا اجتلى بديع نثاره
خصصت بفضل ليس يوجد مثله | وذلك فضل الله يؤتيه من يشا |
سفرت فاشرقت الدياجي | بالنور اشراق السراج |
خود إذا ابتسمت رأيـ | ـت الصبح آذن بانبلاج |
وجناتها تحت الشوا | لف وردة تحت السياج |
أردافها مما ثقلن | إذا مشت ذات ارتجاج |
باتت تناجيني فيا | لله ذياك المناجي |
وسعت إلى بخمرة | صهباء صافية المزاج |
بيضاء جلت أن يشو | ب وصلها انكد الزواج |
صيغت من الدر البيا | ض وطوقها المسود ساجي |
بياضها وسوادها | ملكت مرادي لاحتياجي |
وحكت مثال جاءني | بوزوده زاد ابتهاجي |
اهدى إلى مسرة | وبشكره عظم ابتهاجي |
فعقوده في نظمها | ذات انفراد وازدواج |
ألفاظه في نفسها | برق تألق بالدياجي |
متضمنا أمر الشتا | ء وثلجه العسر العلاج |
قد أوضحت من أمره | بالشام ما آذى مزاجي |
فتشابهت فيه البلا | د فنشره فيها مفاجي |
أما حماة فإنه | وافي إليها بانزعاج |
وأقام فيها مدة | يسطو عليها في لجاج |
فكأنه وافى إليها | طالبا مال الخراج |
عقدت حمائم سحبهـ | ـها فوجه للجو داج |
نصبت فخاخ ثلوجه | للساريين على الفجاج |
وأطارت الريح الثلو | ج كما استطارت بالعجاج |
قد شاب قرناها بها | وتأبطت شرا مفاجي |
ضاعت مصالح أهلها | فصدورهم ذات انحراج |
لوانها تصحى لهم | أضحوا على عزم الهجاج |
وظمى بها العاصي إلى | أن صال كالليث اللهاج |
كم من جواد قد تخلخل | فانثنى مثل الخراج |
ورواشن سقطت فهن | إلى حمى العاصي لواجي |
وتمازجت آلاتها | بمياهه أي امتزاج |
ورفارف مثل الجفون | إذا علت ذات اختلاج |
أخذ التخوت فأصبحت | في الماء كالسفن النواجي |
ورمى النواعير التي | كأنت تدور على رواج |
دارت بها أفلاكها | منكوسة ذات انعواج |
فتطايرت أرياشها | فيها ولا ريش الدجاج |
فتت مغالفها وكا | نت قبل مغلقة الرتاج |
ولسوف ياتيك الربيع | فيطرد البرد المفاجي |
وتطيب أوقات الزما | ن فمالها في الناس هاجي |
والروض بفتح وردة | من بعد طي واندماج |
وترى الأزاهر قد بدت | في روضها ذات ابتهاج |
وتزول كافات الشتا | ء بغير بحث واحتجاج |
أمر الشدائد لم يزل | وهمومها ذات انفراج |
وأسلم ودم لا زلت في | الأيام ملجا كل راجي |
دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 1- ص: 82