السيد مصطفى الصمادي
السيد مصطفى الصمادي
إن الذين تقدموا لم يتركوا | معنى به يتقدم المتأخر |
قد أنتجوا أبكار أفكار لهم | عقم المعاني مثلها متعذر |
فإذا نصبنا من حبال تخيل | شركا به معنى نصيد ونظفر |
عصفت سموم هموم فكر قطعت | تلك الحبال وفر منها الخاطر |
والدهر أخرس كل ذي لسن فلو | سحبان كاف منطقا لا يقدر |
والشعر في سوق البلاغة كاسد | فترى البليغ كجاهل لا يشعر |
والفضل أقفر ربعه لكنه | بوجود مولانا الأمين معمر |
علامة الدنيا وواحد دهره | وأجل أهل العصر قدرا يذكر |
ملك العلوم له جيوش بلاغة | وفصاحة فبهم يعز وينصر |
تخذ الفهوم دعية منقادة | تأتيه طائعة بما هو يأمر |
يقظ يكاد يحيط علما بالذي | تجري به الأقدار حين يقدر |
ما زال يملأ من لآلي لفظه | أصداف آذان لنا ويقرر |
تالله ما رشف الرضاب لراشف | من ثغر ذي شنب حكاه الجوهر |
أحلى وأعذب من كؤس حديثه | تملى وتشر بها العقول فتكسر |
فاق الذين تقدموه بسبقهم | وبه الأواخر تزدهي بل تفخر |
بالسؤل يمنح قبل تسآل فان | سبق السؤال عطاؤه يتعذر |
لو أن أيسر جوده قدما سرى | في الكون لم يبق وحقك معسر |
قد أبدع الرحمن صورة خلقه | ليرى جميل الصنع فيه المبصر |
وجه كأن الشمس بعض بهائه | ما زال يحسده عليه النير |
مولاي عجزي عن مدحك ظاهر | والعذر عن إدراك وصفك أظهر |
من لي بأن أهديك نظما فاخرا | أسمو به بين الأنام وأفخر |
هبني أنظم كالعقود لآلئا | أفديك هل يهدي لبحر جوهر |
لكن أتيت كما أمرت بخدمة | جهد المقل وسؤرد أحذر |
فاصفح فقد أوضحت عدرى أولا | واقبل فمثلك من يمن ويعذر |
واسلم ودم في نعمة طول المدى | ما دام يمدحك اللسان ويشرك |
ومحجب أنف المرور بخاطري | ويغار من مر النسيم إذا سرى |
نحميه عن نظر العيون نزاهة | لم ترض أن يطأ القلوب على الثرى |
صلف ولو قال الهلال مفاخرا | أنا من قلامة ظفره لاستكبرا |
ولو ابتغى لحظ التمني أن يرى | ظلا لطيف خياله لتنكرا |
وموله لولا دخان تأوه | من نار أشواق به لم يعرف |
قد رق حتى صار يحكي في الضنى | لهلال شك يستبين ويختفي |
لو زجه الخياط في سم الخيا | ط من النحول جرى ولم يتوقف |
وجميعه لو حل في طرف الذبا | ب لفرط أسقام به لم يطرف |
ومتيم دنف حكى في سقمه | لهلال شك قد بدا ميلاده |
قد رق حتى كاد يخفيه الضنى | عن عائد ورثى له حساده |
لولا دخان تأوه من نار أشـ | ـواق به لم تلفه عواده |
إني لأحسد عاشقيك ورحمة | أبكيهم من أدمعي بغزار |
نظروا إلى جنات وجنتك التي | قد حف منها الورد آس عذار |
فتمتعت أبصارهم بنعيمها | ومن النعيم تمتع الأبصار |
حتى إذا طلبوا الوصال وعذبوا | بالطرد عنك وساء بعد الدار |
قدحت زناد الشوق في أكبادهم | نار اللظى منها كبعض شرار |
فإذا رأيتهم رأيت عيونهم | في جنة وقلوبهم في نار |
أطفال أغصان الرياض تهزها | في مهدها ريح الصبا المعطار |
قد غسلتها السحب حين ترعرعت | والطل ترضعها به الاسحار |
من كل غصن كالحسام مجوهر | يهتز عجبا ما عليه غبار |
إن الحبيب إذا تعذر خده | نفضت عليه غبارها الأكدار |
فلأجل ذا لم تلفني بمتيم | في وجنة ولها العذار شعار |
أنا مغرم بتقي خد ناعم | قد تم حسنا ما عليه غبار |
ريحان خدك ناسخ | ما خط ياقوت الخدود |
وقع الغبار بها كما | وقع الغبار على الورود |
قلت للملقى على الخد | ين من ورد خمارا |
أسبل الصدغ على خد | يك من مسك عذارا |
أم أعان الليل حتى | قهر الليل النهارا |
قال ميدان جرى الحسـ | ـن عليه فاستدارا |
ركضت فيه عيون | فأثارته غبارا |
هذا الحبيب إذا تعذروا كتسى | شعرا فذاك بمقته أشعار |
أو ما تراه إذا بدا في وجهه | نفضت عليه غبارها الأكدار |
زنجي خال الخد يبدوا واضحا | في وجنة قد أشرقت كنهار |
فإذا العذار سطا عليه ليلة | أخفاه تحت غياهب الأكدار |
نازع الخد عذارا دائرا | فوق خال مسكه ثم عبق |
قائلا للخادم هذا خادمي | ودليلي أنه لوني سرق |
فانتضى الطرف لهم سيف القضا | ثم نادى ما الذي أبدى القلق |
أيها النعمان في مذهبكم | حجة الخارج بالملك أحق |
وساق خده المحمر يحكي | مدا ما راق فاق العود عطرا |
إذا ما عب منها خلت خمرا | ولا خد وخدا ليس خمرا |
وبي فوارة غشت ورودا | ببركتها الماء سالا |
ولاحت وردة للعين حلت | بأعلاها فزادتها جمالا |
تحاكي قبة الألماس فيها | بساط من يواقيت تلالا |
ويحملها عمود من لجين | لها المرجان قد أضحى هلالا |
حين زار الحبيب من غير وعد | ورقيبي نأي وزال عنائي |
لاح لاح عدمت رؤيته قد | حاز قلبا بنقطة سوداء |
دار البشائر الإسلامية / دار ابن حزم-ط 3( 1988) , ج: 4- ص: 179