الشيخ أبو حفص عمر بن يحيى الهنتاتي
يكنى أبا حفص، ويعرف بعمر ينات. كان رحمه الله من جلة الموحدين وأكابرهم. وجهه أمير المؤمنين أبو يعقوب إلى مالقة حين كان ابن حسّون بها، فوصل إليها وأقام عليها أياما، ثم أقلع عنها بخطاب ابن حسّون ملك طليطلة. فلما تم أمر ابن حسّون كتب أهل مالقة إلى أبي حفص، وكان بمحلته بفجّ قامرة، ليصل إليهم، فشكرهم على ذلك، وكتب إليهم كتابا، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. صلّى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
من عمر بن يحيى إلى الشيوخ الأعيان والكافة بمدينة مالقة أكرمهم الله وأعانهم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونشكره على آلائه، ونصلي على محمد نبيه ورسوله، ونسترضيه للإمام المعصوم، المهدي المعلوم، ونستديمه عادة النّصر المكين، لسيدنا أمير المؤمنين. كتابنا من مضرب المحلّة المباركة بفجّ قامرة. وقد كان كتابكم الأثير وصل صحبة جماعتكم الكريمة، من أهل البلد والجند، حفظهم الله، فأدّى الكتاب، والجماعة، ما سنّاه الله تعالى لكم، ويسّره بفضله عليكم من القيام على النّصارى وحزبهم، أخزاهم الله، وكيف أخذتهم صيحة واحدة قطعت دابرهم، وأعدمت صاغرهم وكابرهم، ولم ينج منهم إلاّ من يحدّث عن المثلات، ويندب نجما تضلّل بالأثلات. بركة من بركات هذا الأمر، عمّتكم وأنقذتكم من ظلمات وضلال، طالما عمّتكم وصدقت موعدكم الحسنى؛ ومحفلة منّا قصدتكم بمنونها الجميلة وأمّنتكم، فاشكروا الله كثيرا على ما هداكم إليه، وأعانكم بحسن معتقدكم لهذا الأمر العزيز عليه، فهذا (هدى) من الله تعالى، من استعصم به عصم، ومن ناوأه قصم، ومن آثره جلّ، ومن كاثره قلّ وذلّ. وكانت عاقبته في الدنيا عاقبة الذين عذّبهم الله بأيديكم، وشفى صدوركم منهم. وكيف لا يدرك الله من بني حسون وأمثالهم ثأر إسلام البلاد لأعداء الإسلام، أو كيف تسوف العقوبة من رضي بالتّثليث من التوحيد بدلا. لشدّ ما عميت أبصارهم، وصار إليه صائرهم. ورأينا في كتابكم الأثير شدّة الرغبة في ألاّ نستنيب في الوصول إليكم لتطهر بذلك قلوبكم وتستقرّ أنفسكم. فما تركنا لإسعافكم غير ما وجه من وجوه البرّ. والله ينفعكم بما نويناه لكم وأتيتموه من أبواب الخير، ويجعلنا وإياكم من الذين يتمسّكون بالكتاب وعروة هذا الأمر، وأنتم كافّة مؤمّنون وجندكم وغيرهم بتأمين الله تعالى وبفعلكم المشكور المرضي. والله يعينكم على طاعته ويوفّقكم لمرضاته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتب ظهر السابع عشر من ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وبصفتكم الرّابحة. والله لا يضيع أجر من أحسن عملا. وكتب في التاريخ المذكور وبالله التوفيق.
ثم إنه وصل إثر كتابه إلى مالقة وأقام بها، ثم انتقل عنها، والحمد لله.