محمد بن عجلان بن رميثة بن أبي نمى الحسني، المكي:
ولى إمرة مكة نيابة عن أخيه علي بن عجلان، نحو نصف سنة، في سنة أربع وتسعين وسبعمائة، لما توجه أخوه على فيها إلى مصر.
وولى إمره مكة - بعد قتل أخيه على - إلى حين قدوم أخيه الشريف حسن بن عجلان من مصر، في آخر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وسبعمائة.
وذلك أزيد من نصف سنة يسيرا.
ووليها نيابة عنه بعد قدومه إلى مكة من مصر [ .......... ].
وكان ابن عمه عنان بن مغامس بن رميثة، لما ولى إمرة مكة في ولايته الأولى، لاءم محمد بن عجلان هذا، وأقبل كل منهما على الآخر كثيرا. واستخلف عنان محمدا هذا بجدة، وترك معه فيها من لاءمه من عبيد أحمد بن عجلان، وبعض موالي أبيه مغامس، يكون عينا على محمد، فأنهى هذا المولى إلى عنان، عن محمد تقصيرا، فكتب عنان إليه يزجره ويغلظ له، فاستشاط محمد غضبا، واستدعى كبيشا ومن معه من آل عجلان وغيرهم، فقدموا عليه جدة، واستولوا على ما فيها من أموال الكارم، وغلال المصريين بالنهب، وما قدر عنان على إزالتهم من جده، ولا استنقاذ ذلك منهم.
وكان ذلك من أعظم أسباب عزله.
وكان عجلان يرغب في أن يكون ابنه محمد هذا، ضدا لولده أحمد بن عجلان، بأن يفعل في البلاد فعلا يظهر به محمد، ويغضب لفعله أحمد، فيلين بذلك جانب أحمد لأبيه - لأنه كان قوى عليه - وينال بذلك مقاصد من ولده أحمد، وينال بذلك محمد أمرا في البلاد، فلم ينهض محمد بمراد أبيه مع تيسر سبب ذلك، وصورة الحال في ذلك: أن عجلان كتب ورقة إلى ابنه محمد، يأمره بأن يشغب هو وأصهاره الأشراف على أحمد بن عجلان، وأن يأخذ من خيل أبيه ما شاء، ويذهب إلى نخلة، ويأخذ منها أدرعا هناك مودعة له، ويأخذ ممن هي مودعة عنده ما يحتاج إليه من المصروف، ووصلت ورقته إلى ابنه محمد، وهو في لهو مع بعض أصدقاء أخيه أحمد، فأوقفهم على ورقة أبيه، فاستغلوه وبعثوا بها إلى أخيه أحمد، وأشغلوه باللهو إلى أن بلغ أخاه الخبر، وقصد أحمد أباه في جمع كثير، معاتبا له على ما فعل، وكان قد بلغه ما كان من ابنه محمد، فشق عليه كثير، واعتذر لأحمد، وأعرض عن محمد لقلة حزمه.
وكان محمد قصد قافلة متوجهة من مكة إلى المدينة فيها قاضي مكة أبو الفضل النويري، فنهب محمد جمال القافلة ببدر، وتوصل من فيها إلى المدينة، وبلغ الخبر أباه عجلان، فجد في السير حتى أتاهم بالمدينة، فاستعطفهم وأرضاهم برد الجمال، أو بمال - الشك منى - والله أعلم.
وكان محمد - بعد ذلك ملائما لأخيه أحمد، وأخوه مكرم له، ثم نفر منه محمد، فتوجه من مكة بعد الحج، في سنة ست وثمانين وسبعمائة، قاصدا مصر، طالبا لخبر. فلما كان بينبع أشار عليه أمير الحاج المصري، أبو بكر بن سنقر الجمالى، بأن يرجع إلى
مكة، ويرجع معه بعنان بن مغامس، وحسن بن ثقبة، وكانا قاصدين مصر لشكوى أحمد، لكونه لم يجبهما إلى ما رسم لهما به عليه السلطان بمصر، وكان أمير الحاج قد أشار على المذكورين بالرجوع إلى مكة، وضمن لهما عن أحمد، الموافقة على قصدهما إذا رجعا إليه، وضمن لمحمد عن أحمد، إسعافه لما يرومه من أحمد، وأطمعه بالمزية في الإحسان من أحمد، إذا وصل إليه بالمذكورين.
فرجع الثلاثة إلى أحمد، ولم يتوثق محمد لنفسه ولا لمن معه من أحمد، اغترارا من بنفسه، لظنه أن أحمد لا يسوءه في نفسه ولا من معه، فلم يصب ظنه؛ لأن أحمد قبض عليه وعلى المذكورين لما اجتمعوا به، وضم إليهم أحمد بن ثقبة، وابنه عليا، وقيد الخمسة.
ومن الناس من يقول: إن أحمد ندب محمدا لإحضار عنان وحسن، فلما حضرا إليه قبض عليهما، فأنكر ذلك محمد على أحمد، فضمه إليهما، وسجن الخمسة بالعلقمية عند المروة، فلما مات أحمد، كحلوا - غير عنان - فإنه كان نجا من السجن قبل موت أحمد بيسير، وكان من أمرهم وأمر محمد، ثم سعي محمد، في اعتقال عنان بمصر. فأجيب سؤاله.
وكان محمد قدمها في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، بعد ثورة منطاش على الناصري، ومصير الأمر إليه بعد قبضه على الناصري وسجنه. وهو الذي أجاب محمدا لسجن عنان.
وكان محمد هذا في سنة ثمانمائة، دخل إلى اليمن، فأكرمه صاحب اليمن الأشرف وجهز معه محملا إلى مكة في سنة ثمانمائة، بعد انقطاع محمله نحو عشرين سنة، وتوجه به محمد بعد الحج؛ ليأتي به ثانية إلى مكة، فاقتضى رأي صاحب اليمن عدم إرساله، فتوجه محمد إلى مكة وأقام بها، حتى مات في الثاني عشر من ربيع الأول سنة اثنتين وثمانمائة، ودفن بالمعلاة.