محمد بن علي بن أبي منصور الأصبهاني، الوزير جمال الدين أبو جعفر، المعروف بالجواد، لجوده:
ذكرناه في هذا الكتاب، لما صنع من المآثر الحسنة بمكة، كما سبق في المقدمة.
وقد ذكره صاحب مرآة الزمان فقال بعد نسبه: وزير الموصل، وكانت الموصل في أيامه ملجأ لكل ملهوف، ومفزعا لكل مكروب، ولم يكن في زمانه من يضاهيه ولا يقاربه في الجود والنوال، والإحسان والإفضال.
وكان كثير الصلات، عزيز البر والصدقات، بنى مسجد الخيف بمنى، وغرم عليه أموالا كثيرة، وجدد الحجر إلى جانب الكعبة، وزخرف البيت بالذهب، وبنى أبواب الحرم، وشيدها ورفع أعتابها صيانة للحرم، وبنى المسجد الذي على جبل عرفة، والدرج التي يطلع فيها إليه.
وكان الناس يعانون في صعود شدة، وأجرى الماء إلى عرفات، وعمل البرك والمصانع، وأجرى الماء في قنوات، وكان يعطى أهل مكة في كل سنة مالا عظيما، ليجروا الماء إلى عرفات.
وبنى على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم سورا، وكانت الأعراب تنهبها وتغير عليها.
فكان الخطيب يقول على المنبر: اللهم صن حرم من صان حرم نبيك صلى الله عليه وسلم، وهو محمد بن علي الأصبهاني.
وكانت صدقته وصلاته في المشرق والمغرب، يبعث بها إلى خراسان والعراق والبصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والحجاز واليمن، فيعم الفقهاء والعلماء والزهاد وأرباب البيوت وغيرهم. وما خيب من قصده.
وكان له في كل يوم خارج عن أرباب البيوت: مائة دينار، يتصدق بها على باب بنى شيبة، ولأجل هذا الخرج العظيم، كان ينسب إلى عمل الكيمياء، وحوشى من ذلك وبنى الجسور والقناظر، والربط، والجسر الذي بناه على دجلة عند جزيرة ابن عمر، بالحجر المنحوت والرصاص، وأوثقه بالحديد بين البنيان.
وبنى الرباط بالموصل وسنجار ونصيبين. وكان إذا قل ما بيده باع بسط داره وثيابه، ويتصدق بها. وكان يبعث إلى عمر الملا بالأموال فيتصدق بها. وكان قد وقع بالموصل قحط، فكان يقول: هذه أيام المواساة.
ذكر وفاته: لما سارت الركبان بجوده، وعم بمعروفه أهل الدنيا، حسده أقوام، فكذبوا عليه عند قطب الدين، وقالوا: إنه يأخذ أموالك فيتصدق بها، وما كان قطب الدين يقدر على قبضه، لما كان بينه وبين زين الدين من المصافاة، فوضع من أغرى بينه وبين زين الدين، فتغير عليه، فقبض عليه قطب الدين، واعتقله في قلعة الموصل فقال ابن المعلم الشاعر:
إن يعزلوك لمعروف سمحت به | على ذوى الأرض ذات العرض والطول |
فأنت يا واحد الدنيا وسيدها | بذلك الجود فيها غير معزول |
ثم ندم زين الدين، على موافقته لقطب الدين على قبضه؛ لأن خواص قطب الدين، الذين كانت أيديهم مقبوضة عن التصرف، لما قبض جمال الدين، انبسطوا في الأمر والنهى على خلاف غرض زين الدين. وأقام في الحبس سنة، ثم توفى.
وحكى أبو القاسم الصوفي - وكان صاحبه - قال: قال لي جمال الدين: كنت أخشى أن أنقل من الدست إلى القبر، فلو جاء الموت الآن ما كرهته، ثم قال لي: يا أبا القاسم، إذا جاء طائر أبيض إلى الدار فعرفنى. فقلت في نفسي: قد اختلط الرجل.
فلما كان من الغد، سقط طائر أبيض لم أر مثله، فعرفته، فاستبشر وقال: جاء الحق.
ثم قال: بينى وبين أسد الدين شيركوه عهد: من مات منا قبل صاحبه حمله إلى المدينة، وعملا قبرين - فاذهب إلى أسد الدين وذكره. وأقبل على ذكر الله وتشهد حتى مات. وطار الطائر، ودفن في تابوت بالموصل وذلك في رمضان.
ومضى أبو القاسم إلى أسد الدين، فأخبره، فقال: صدق. وأعطاه مالا صالحا يحمله به، ويقرئ بين يدي تابوته عند النزول وعند الرحيل، وأن ينادى بالصلاة عليه في كل بلد.
فخرجوا بتابوته على هذه الهيئة، فقدموا به بغداد، ونزلوا به الشونيزية، ولم يبق ببغداد أحد إلا خرج، وخصوصا من كان له إليه إحسان. فصلوا عليه وبكوا وترحموا.
ثم خرجوا به إلى الحلة والكوفة، وزاروا به المشهدين. فقام بعض العلويين بالكوفة على تل عال. فلما مر بجنازته رفع صوته وقال:
سرى نعشه فوق الرقاب وطال ما | سرى بره في العالمين ونائله |
يمر على الوادى فتثنى رماله | عليه وبالنادى فتبكى أرامله |
فلم ير باكيا أكثر من ذلك اليوم. ثم ساروا به مع الحاج، فلما وصلوا إلى وادى المحرم، ألقى على تابوته شقة كأنه محرم، ثم أتوا به عرفات، وخرج أهل مكة باكين وصعدوا به إلى الجبل.
ثم نزلوا به إلى منى، واشتروا جمالا ونحروها عنه، ثم دخلوا به مكة، وطافوا به حول البيت، واشتغل الناس به عن البيت، من كثرة البكاء والصراخ، وخرج النساء المجاورات، التي كان يصل إليهن بره، بين يدي تابوته يبكين ويصرخن، وكان يوما عظيما، وساروا به إلى المدينة، فخرج أهلها وفعلوا كما فعل أهل مكة، ودخلوا به إلى الروضة، فصلوا عليه وحملوه إلى رباطه، فدفنوه به، وبين رباطه وبين مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذرع، عرض الطريق.
وكان فصيحا، ولما حبس قال:
أين اليمين وأين ما عاهدتنى | ما كان أسرع في الهوى ما خنتنى |
وتركتنى حيران صبا مدنفا | أرعى النجوم وأنت ترقد هاهنى |
فلأرفعن إلى إلهى قصة | بلسان مظلوم وأنت ظلمتنى |
ولأدعون عليك في غسق الدجى | فعساك تبلى بالذي أبليتنى |
ولم يحمل إلى مكة ميت قبله، سوى الحرة ملكة عدن، وابن رزيك أخو الصالح طلائع، والخادم أرهست صاحب عمان، انتهى.
قلت: وما ذكره صاحب المرآة، من أنه لم يحمل إلى مكة ميت قبل الجواد سوى من ذكرهم - وهم بلا ريب - لأنه حمل إلى مكة قبل الجواد هذا، الوزير أبو الفضل جعفر ابن الفضل بن الفرات، المعروف بابن حنزابة.
ومن العجب أن صاحب المرآة ذكر ذلك، وذكر أنه فعل له ما فعل بالجواد، من الطواف بالبيت، وإحضاره عرفة، والذهاب به إلى المدينة، ودفنه في تربة هناك. وذلك في سنة إحدى وتسعين وثملاثمائة. وفيها مات في شهر ربيع الأول بمصر. وذكر أنه كان يبعث في كل سنة لأهل الحرمين مالا وكسوة وطعاما.
ووهم أيضا الذهبي في قوله في ترجمة الجواد: إنه دفن بالبقيع؛ لأنه إنما دفن برباطه، كما ذكر صاحب المرآة وغيره.
قال الذهبي: ولقد حكى ابن الأثير في ترجمة الجواد: مآثر ومحاسن لم يسمع بمثلها في الأعمار.