محمد بن محمد بن سعيد بن عمر بن علي الصغانى، العلامة ضياء الدين الهندي الحنفي:
هكذا وجدت نسبه بخطه في ثبت له ذكر فيه: أنه سمع على الجمال المطري: صحيح البخاري عن أبي اليمن بن عساكر، والتوزري، وقرأ عليه: صحيح مسلم، عن الحافظ الدمياطي، والتوزري، وجامع الترمذي وغير ذلك، وعلى القطب ابن المكرم: الموطأ رواية يحيى بن يحيى، عن العفيف الدلاصى، ولبس منه الخرقة، وذلك في عشر الأربعين وسبعمائة، بالمدينة النبوية.
وقد سمع بها من أبي الحسن علي بن عمر بن حمزة الحجار: عدة أجزاء، وحدث عنه بالخلعيات، وسمع بالقاهرة من بدر الدين الفارقي، وغيره من أصحاب النجيب الحراني. ولى منه إجازة باستدعاء شيخنا ابن سكر.
وكان أقام بالمدينة مدة سنين، يدرس ويفتى ويتاجر، ثم حصل بينه وبين أميرها جماز ابن منصور، منافرة لطلبه منه مالا، وتوقف الضياء في تسليمه، فسجن في الجب بالقلعة، ثم أطلق، وحصل بينه وبين أميرها جماز بن منصور منافرة أيضا؛ لأن جمازا اجتمع مع الضياء وغيره من علماء المدينة بالروضة، ووقع من جمازا كلام سيئ في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فكفره الضياء لذلك، فقال له جماز: تكفرنى؟، فقال له: نعم، ثم تخوف الضياء وهرب من المدينة إلى ينبع، فاستجار بأميرها أبي الغيث فأجاره، ومنع منه الطلب، وأخفاه وأعانه على الوصول إلى مصر.
وأنهى الضياء ما وقع من جماز إلى الدولة، فرسم بقتل جماز، فقتل لما حضر لخدمة المحمل، وبعد قتله نهبت دار الضياء بالمدينة.
وأخذ له دفين، وهو أربعمائة الف درهم فيما قيل، وغير ذلك. وكانت له بنت كبيرة تعلم حاله، فأوذيت حتى سعت في هلاك نفسها، للراحة من العذاب.
وسكن الضياء بعد ذلك مكة، وتولى تدريس الحنفية، الذي قرره بمكة الأمير يلبغا الخاصكى الأتابكى، وباشره في شوال سنة ثلاث وستين.
واستمر مستوطنا بمكة، حتى مات بها في يوم الجمعة الخامس من ذي الحجة سنة ثمانين وسبعمائة، ودفن بالمعلاة، وقد جاوز الثمانين فيما بلغني، وخلف تركة أحصيت بمائة ألف درهم ونيف وثلاثين الف درهم، منها مائة ألف نقد وثمن عروض، والباقي ديون له على الناس.
وكان عارفا بمذهبه وأصوله، مع مشاركة في العربية وغيرها، وعنده لمذهبه عصبية مفرطة عيبت عليه، لما فيها من الغض من الإمام الشافعي وأتباعه.
وقد سمعت شيخنا الحافظ زين الدين العراقي يقول: إنه اجتمع مع الضياء هذا، في بيع تركة كتب بمكة، فعرض منها كتاب من تواليف الخطيب البغدادي، فزاد في ثمنه شيخنا الحافظ العراقي، فقال له الضياء: تشترى هذا الكتاب وتزيد فيه؟، فقال له العراقي: وإيش في هذا؟ فقال الضياء: الخطيب قد تكلم في أبي حنيفة، فقال له العراقي: ما تكلم فيه، وإنما ذكر كلام الناس فيه.
هذا معنى ما سمعته من شيخنا الحافظ العراقي، وكثير من الحنفية يسيئون القول في الخطيب، وأفرط بعضهم في ذلك؛ لأنه بلغني عن بعض الفضلاء من قضاة عصرنا الحنفية، ما معناه، أنه قال: وا عجبا لأهل الحديث، كيف يحتجون بالخطيب، وقاضي القضاة شمس الدين الحريرى قد أسقطه. انتهى.
فاعجب لهذا الزلل، ونسأل الله السداد في القول والعمل.