أيوب بن محمد بن أبي بكر محمد بن أيوب بن شاذى بن مروان، السلطان الملك الصالح نجم الدين، بن السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبي المعالى، ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر:
صاحب الديار المصرية والشامية ومكة. كان ملك سنجار وعانة، ثم إنه صالح
الملك الجواد [ .... ] على أن أعطاه دمشق، وعوضه عنها سنجار وعانة، ثم توجه الملك الصالح قاصدا للديار المصرية، ليأخذها من أخيه الملك العادل أبي بكر بن الملك الكامل.
فلما وصل إلى نابلس أقام بها مدة، ثم تفرق عنه عسكره إلى دمشق، لينظروا في حالهم، لما بلغهم، أن عمه الصالح إسماعيل صاحب بعلبك، استولى على دمشق غيلة، بموافقة الملك المجاهد أسد الدين شير كوه صاحب حمص.
ولما انفرد الملك الصالح أيوب بنابلس، لم يشعر إلا بابن عمه الملك الناصر داود بن عبد الملك المعظم صاحب الكرك، قد فجأه وقبض عليه. وكان الملك الصالح في نفر يسير من غلمانه وأتباعه. واعتقل الملك الناصر الملك الصالح بالكرك، ثم أفرج عنه، لما بلغه أن أمراء الديار المصرية، طلبوا الملك الصالح نجم الدين ليولوه الديار المصرية، بعد قبضهم على أخيه الملك العادل، والملك الكامل.
وكان قبضهم على العادل، في يوم الجمعة ثامن ذي القعدة سنة سبع وثلاثين ستمائة.
وكان إفراج الملك الناصر عن الملك الصالح، في شهر رمضان من السنة المذكورة، واجتمع هو والملك الناصر، وساروا إلى الديار المصرية، ودخلا القاهرة في الساعة الثانية من يوم الأحد، رابع عشرى ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة. وأدخل الملك العادل في محفة، وحوله جماعة كثيرة من الأجناد يحفظونه، من خارج البلد إلى القلعة، واعتقله بها عنده في داخل الدور السلطانية، وبسط العدل في الرعية، وأحسن إلى الناس، وأخرج الصدقات، ورمم ما تهدم من المساجد. وسيرته طويلة.
ثم إنه أخذ دمشق من عمه الملك الصالح إسماعيل، في سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ومضى بعد ذلك إلى الشام، ثم رجع وهو مريض، وقصد الفرنج دمياط، وهو مقيم
بأشموم ينتظر وصولهم. وكان وصولهم إليها يوم الجمعة العشرين من صفر، سنة سبع وأربعين وستمائة، وملكوا بر الجزيرة يوم السبت، وملكوا دمياط يوم الأحد؛ لأن جميع أهلها، والعسكر تركوها وهربوا منها.
وانتقل الملك الصالح من أشموم إلى ناحية المنصورة، ونزل بها وهو في غاية من المرض. وأقام بها على تلك الحال، إلى أن توفى هناك، ليلة نصف شعبان من السنة المذكورة، وحمل إلى القلعة الجديدة التي في الجزيرة، وترك في مسجد هناك، وأخفى موته مقدار ثلاثة أشهر، والخطبة باسمه، إلى أن وصل ولده الملك المعظم توران شاه، من حصن كيفا في البرية إلى المنصورة. فعند ذلك أظهروا موته. وخطب لولده المذكور، ثم بعد ذلك بنى له بالقاهرة إلى جنب مدرسته تربة، ونقل إليها في شهر رجب سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وكانت ولادته رابع عشرى جمادى الآخرة سنة ثلاث وستمائة، وأمه جارية مولدة سمراء، اسمها ورد المنى، رحمه الله. انتهى من تاريخ ابن خلكان بالمعنى، ولم يذكر ملكه لمكة.
لكنى وجدت في بعض التواريخ، أن عسكر الملك المنصور، صاحب اليمن لم يزل بمكة، حتى خرجوا منها في سنة سبع وثلاثين وستمائة، لما وصل الأمير شيحة، صاحب المدينة، إلى مكة في ألف فارس من جهة صاحب مصر، ثم إن السلطان نور الدين جهز ابن النصيرى والشريف راجح إلى مكة في عسكر جرار. فلما سمع بهم شيحة وأصحابه، خرجوا من مكة هاربين، فتوجه شيحة إلى مصر، قاصدا صاحبها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فجهز معه عسكرا، فوصلوا إلى مكة في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وحجوا بالناس.
فلما كانت سنة تسع وثلاثين، جهز السلطان نور الدين جيشا كثيفا إلى مكة. فلما علم بهم العسكر الذي بمكة، كتبوا إلى ملكهم صاحب مصر يطلبون منه النجدة، فأرسل إليهم مبارز الدين علي بن الحسين بن برطاس، وابن التركمانى، في مائة
وخمسين فارسا. فلما علم بذلك عسكر صاحب اليمن، عرفوه بالخبر، وأقاموا بالسرين فتجهز السلطان بنفسه إلى مكة في عسكر جرار. فلما علم المصريون بقدومه خرجوا هاربين وأحرقوا ما في دار السلطنة بمكة. فدخلها السلطان نور الدين، وصام بها شهر رمضان.