جابر بن عبد الله المعروف بالحراشي:
تردد إلى مكة مرات كثيرة، ولايم في بعضها الشريف حسن بن عجلان صاحب مكة، ففوض إليه أمر جدة وغيرها. فقام بمصالحه أحسن قيام، وقرر لبنى حسن الرسوم التي يتناولونها اليوم، وكانت على غير هذه الصفة، مع نقصها عما قرره، وكان يحسن السياسة معهم في أدائها إليهم، ويحسن السياسة أيضا في استيفاء المكوس، ولكنه زاد فيها كثيرا عما كانت عليه قبل ولايته، وبنى الفرضة التي بجدة، ليحاكى بها فرضة عدن. وكانت فرضة جدة على غير هذه الصفة.
ثم تغير عليه صاحب مكة، لخبث لسانه وامتنانه عليه بقيامه بمصالحه، فقبض عليه في أوائل رمضان سنة تسع وثمانمائة، بعد ثلاث سنين وأشهر، من حين ولاه، ثم أطلقه وقت الحج من سنة تسع وثمانمائة، وأحسن إليه واستحلفه على ترك أذاه.
وتوجه إلى اليمن، وأقام به نحو سنة، ثم عاد إلى مكة في موسم سنة عشر وثمانمائة، ولايم صاحب مكة، وتولى عمارة الدور التي أنشأها في الموضع المعروف بدار عيسى بالسويقة بمكة، ثم توجه من مكة في أثناء سنة اثنتي عشرة وثمانمائة إلى مصر، فسعي في أذى صاحب مكة، فأجيب لقصده.
وخرج من مصر، وهو واثق بذلك، فخاب أمله؛ لأن صاحب مصر الملك الناصر فرج، استعطف على صاحب مكة، فرضي عنه وأقره على ولايته، ومنع من محاربته، وعلم ذلك جابر، فاستوطن ينبع ولايم ولاتها، وبنى لهم بها قلعة وسورا، وهو في غضون ذلك يرغب كثيرا في العود إلى مكة، على أن يضمن له بعض القواد عن صاحب مكة، أن لا يصيبه منه سوء، فلم يوافق على ذلك صاحب مكة.
ثم رغب في سنة خمس عشرة وثمانمائة في إخراج جابر من ينبع، لما بلغه عنه من تحسينه لصاحب اليمن، التجويد على جدة إلى ينبع لتكدر خاطر صاحب اليمن على صاحب مكة، في أمر فعله صاحب مكة، لم يسهل بصاحب اليمن.
فتوجه جابر إلى مصر، وأخذ يؤذى صاحب مكة، فلم يقبل منه، وصودر وبعث به معتقلا إلى صاحب مكة، فوصلها مع الحجاج، في موسم خمس عشرة وثمانمائة، ودخلها والزنجير في حلقه، ورآه صاحب مكة، وهو على هذه الصفة، فحياه بالسلام، وأقام بمنزل أمير الحاج برباط الشرابى، ثم خلص في ليلة الثامن من ذي الحجة من السنة المذكورة؛ لأنه خرج يطوف تلك الليلة، ومعه بعض المماليك، فتسحب منه، ولجأ إلى بعض القواد فأجاره، وأخبر به صاحب مكة، وجمعه عليه بعد أن توثق منه، فعفا عنه صاحب مكة، وأقبل عليه كثيرا من أموره بجدة وغيرها، فنهض بذلك.
ثم تغير عليه صاحب مكة، لما نسب إليه من تقويته للسيد رميثة بن محمد بن عجلان، على دوام عصيانه لعمه، فإن رميثة هجم على مكة في رابع عشرى جمادى الآخرة، من سنة عشرة وثمانمائة، وهجم على جدة في رمضان من السنة المذكورة، ونهب جدة والهدة، وسعي بعد ذلك جابر وغيره في الإصلاح بينهما، فشرط رميثة ما لم تطب به نفس عمه، وصمم على ذلك، فاتهم في ذلك جابر ومن معه، ووقع مع ذلك من جابر مخالفة لمخدومه في بعض أوامره، فقبض عليه بمنى في النفر الأول، ثم قرر على أمواله، وأشعر بقتله، فصلى ركعتين، وخرج من أجياد مع الموكلين بقتله إلى باب المعلاة، فشنق به، ولم يظهر منه جزع في حالة شنقة ولا في ذهابه إلى الشنق، ولا كلم الموكلين به كلمة واحدة.
وكان شنقه بعد المغرب، في ليلة الخميس الخامس عشر من ذي الحجة، سنة ست عشر وثمانمائة، ودفن بالمعلاة.
وكانت أدعية الحجاج عليه كثيرة في موسم هذه السنة، بسبب كثرة زيادته عليهم في أمر المكس، فأصيب مع المقدور بسبب دعائهم، فإن دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن الأسباب التي أصيب بها، أنه كان قليل المراعاة لبعض أخصاء مخدومه، لظنه أن الكلام فيه لا يقبل، بسبب نهوضه بما لا ينهض به غيره من الخدم، وكان يظهر له مع ذلك فساد ظنه، وهو لا يعتبر، وتمادى في ذلك إلى أن أدركه ما عليه قدر. وكان له إلمام بمذهب الزيدية، وحظ في التجارة. وبلغ ستين سنة؛ لأنه ذكر لي أنه ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة.