الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الحسني:
صاحب الوقعة بفخ، ظاهر مكة. ظهر بالمدينة في تسع وستين ومائة، وطرد عنها عامل المهدى. وكان سبب ذلك، أن الهادي استعمل على المدينة عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري، فلما وليها، أخذ أبا الزفت الحسن بن محمد بن عبد الله بن الحسن، ومسلم بن جندب الشاعر الهذلى، وعمر بن سلام، مولى آل عمر، على شراب لهم، فأمر بهم، فضربوا جميعا، وجعل في أعناقهم حبالا، وطيف بهم في المدينة، فجاء الحسين بن علي إلى العمري، فقال له: قد ضربتهم، ولم يكن لك أن تضربهم؛ لأن أهل العراق لا يرون به بأسا، فلم تطوف بهم؟، فأمر بهم فردهم وحبسهم.
ثم إن الحسن بن علي، ويحيى بن عبد الله بن الحسن، كفلا الحسن بن محمد، فأخرجه العمري من الحبس، وقد كان ضمن بعض بنى أبي طالب بعضا، وكانوا يعرضون، فغاب الحسن بن محمد عن العرض يومين، فأحضر الحسين بن علي، ويحيى بن عبد الله، وسألهما عنه وأغلظ لهما، فحلف له يحيى أنه لا ينام حتى يأتيه به أو يدق عليه باب داره، حتى يعلم أنه جاءه به، فلما خرجا، قال له الحسين: سبحان الله، ما دعاك إلى هذا؟ ومن أين تجد حسنا؟ حلفت له بشيء لا تقدر عليه!، قال: والله لا بت حتى أضرب عليه باب داره بالسيف، فقال له الحسين: إن هذا ينقض ما كان بيننا وبين أصحابنا من الميعاد - وكانوا قد تواعدوا على أن يظهروا بمكة ومنى في المواسم - فقال يحيي: قد كان ذلك، فانطلقا وعملا في ذلك من ليلتهم، وخرجوا آخر الليل. وجاء يحيى، حتى ضرب على العمري باب داره، فلم يجبه، وجاءوا فاقتحموا المسجد وقت الصبح.
فلما صلى الحسين الصبح، أتاه الناس فبايعوه على كتاب الله وسنة نبيهصلى الله عليه وسلم، للمرتضى من آل محمد، وجاء خالد اليزيدى في مائتين من الجند، وجاء العمري، ووزير إسحاق الأزرق، ومحمد بن واقد السروى، ومعهم ناس كثير، فدنا خالد منهم، فقام إليه
يحيى وإدريس ابنا عبد الله بن حسن، فضربه يحيى على أنفه فقطعه، ودار إدريس من خلفه فضربه فصرعه، ثم قتلاه. وانهزم أصحابه، ودخل العمري في المسودة، فحمل عليهم أصحاب الحسين، فهزموهم من المسجد، وانتهبوا بيت المال، وكان فيه بضعة عشر ألف دينار. وقيل: سبعون ألفا، وتفرق الناس، فأغلق أهل المدينة أبوابهم.
فلما كان الغد، اجتمع عليه شيعة بنى العباس فقاتلوهم، وفشت الجراحات في الفريقين، واقتتلوا إلى الظهر ثم افترقوا.
ثم إن مباركا التركى، أتى شيعة بنى العباس من الغد، وكان قد قدم حاجا، فقاتل معهم، فاقتتلوا أشد قتال إلى منتصف النهار، ثم تفرقوا ورجع أصحاب حسين إلى المسجد، وواعد مبارك الناس الرواح إلى القتال، فلما غفلوا عنه، ركب رواحله وانطلق، وراح الناس فلم يجدوه، فقاتلوا شيئا من قتال إلى المغرب، ثم تفرقوا، وقيل: إن مباركا أرسل إلى الحسين يقول له: والله لئن أسقط من السماء فتخطفنى الطير، أهون على من أن تشوكك شوكة، أو تقطع من رأسك شعرة، ولكن لابد من الإعذار، فبيتنى فإني منهزم عنك، فوصى إليه الحسين وخرج إليه في نفر، فلما دنوا من عسكره، صاحوا وكبروا، فانهزم هو وأصحابه، وأقام الحسين وأصحابه أياما يتجهزون. فكان مقامهم في المدينة أحد عشر يوما، ثم خرجوا لست بقين من ذي القعدة.
فلما خرجوا عاد الناس إلى المسجد، فوجدوا فيه العظام الذي كانوا يأكلون وآثارهم، فجعلوا يدعون عليهم. ولما فارق المدينة قال: يا أهل المدينة، لا أخلف الله عليكم بخير، فقالوا: بل أنت لا يخلف الله عليك ولا ردك إلينا.
وكان أصحابه يحدثون في المسجد، فغسله أهل المدينة. ولما أتى الحسين مكة، أمر فنودي: أيما عبد أتانا فهو حر، فأتاه العبيد، فانتهى الخبر إلى الهادي.
وكان قد حج تلك السنة رجال من أهل بيته، منهم: سليمان بن المنصور ومحمد بن سليمان بن علي، والعباس بن محمد بن علي، وموسى وإسماعيل، ابنا عيسى بن موسى، فكتب الهادي إلى محمد بن سليمان متوليه على الحرب، وكان قد سار بجماعة وسلاح من البصرة لخوف الطريق، فاجتمعوا بذى طوى، وكانوا قد أحرموا بعمرة.
فلما قدموا مكة، طافوا وسعوا وحلوا من العمرة، وعسكروا بذى طوى، وانضم إليهم من حج من شيعتهم ومواليهم، وقوادهم، ثم إنهم اقتتلوا يوم التروية، فانهزم أصحاب الحسين، وقتل منهم وجرح، وانصرف محمد بن سليمان ومن معه إلى مكة، ولا يعلمون حال الحسين، فلما بلغوا ذا طوى، خلفهم رجل من أهل خراسان يقول: البشرى، هذا رأس الحسين، فأخرجه وبجبهته ضربة طولى، وعلى قفاه ضربة أخرى. وحملت الرءوس إلى الهادي، فلما وضع رأس الحسين، قال: كأنكم قد جئتمونى برأس طاغوت من الطواغيت، إن أقل ما أجزيكم، أن أحرمكم جوائزكم، فلم يعطهم شيئا.
وكان الحسين شجاعا كريما، قدم على المهدى فأعطاه أربعين ألف دينار، ففرقها في الناس ببغداد والكوفة. وخرج من الكوفة لا يملك ما يلبسه، إلا فروا ما تحته من قميص. انتهى من تاريخ ابن الأثير باختصار.
وقبره بظاهر مكة بطريق التنعيم؛ لأن هناك قبة مشهورة تقصد بالزيارة فيها قبران، في أحدهما حجر مكتوب فيه: قبر الحسن والحسين ابنى علي بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
وفى جدار القبة ثلاثة أحجار، في أحدها: أن قتادة بن إدريس بن مطاعن الحسني، أمر بعمارته في سنة خمس وستمائة، وهو بخط عبد الرحمن ابن أبي حرمى.
وفى الثاني: أن أبا سعد بن علي بن قتادة الحسني، أمر بعمارة هذا المشهد في شعبان سنة ست وأربعين وستمائة.
وفى الثالث: أن الشريف حسن بن عجلان نائب السلطنة المعظمة ببلاد الحجاز في عصرنا، أمر بعمارته في صفر سنة خمس وثمانمائة.
وفى الحجر الذي فيه عمارة قتادة، تلقيب أبي الحسين هذا: بزين العابدين، وفي ذلك نظر؛ لأن المعروف بزين العابدين، هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والحسين هذا، إنما هو من ذرية الحسن لا من ذرية الحسين.