عبد الرحمن بن عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي المكي يلقب بالزين
عبد الرحمن بن عبد الله بن أسعد بن علي اليافعي المكي يلقب بالزين
ولد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة بمكة، وسمع بها من أبيه وغيره. وبدمشق من ابن أميلة، وبالقاهرة من شيخ عبد الله بن خليل المكي وغيره.
وحفظ «الحاوى الصغير» واشتغل بالعلم، بذكاء مفرط. فحصل كثيرا، وله شعر حسن، ثم تزهد، وصحب الصالحين ببلاد كثيرة، وانقطع إليهم، وعظم قدره، واشتهر أمره، وكان أبوه - على ما بلغني - ينوه بذكره.
وتوفى على قدم التجريد، في أثناء سنة سبع وتسعين وسبعمائة، ببلاد الجزيرة، برحبة مالك بن طوق منها، فيما بلغني في تاريخ وفاته ومحلها، والله أعلم.
ومن أحواله الجميلة - فيما بلغني - أنه كان جالسا في الدكة التي إلى جانب كتاب القروى، بالجانب الشامي من المسجد الحرام، فذكر له شخص كان عنده شيئا من
كرامات الصالحين، وأحب أن يرى منه شيئا. فقال الشيخ عبد الرحمن اليافعي: ومنهم من يقول لهذا القنديل، وأشار إلى قنديل أمامه في الرواق: انزل، فنزل القنديل إلى الأرض بالمسجد.
ومنهم من يقول له: اطلع، فارتفع القنديل حتى صار معلقا في موضعه. والشيخ عبد الرحمن جالس في الدكة لم يقم ولم يتحرك من موضعه. هذا معنى ما بلغني عنه في هذه الحكاية عمن شاهدها.
ومن شعره [من الطويل]:
ألا إن مرآة الشهود إذا انجلت | أرتك تلاشى الصد والبعد والقرب |
وصانت فؤاد الصب عن ألم الأسى | وعن ذلة الشكوى وعن منة الكتب |
وكنت أرى أن الوداد إذا انتهى | إلى حده أغنى المشوق عن الطرس |
وأن صلات الغيب يجزى نعيمها | إذا صفت الأسرار عن صلة الحس |
إلى أن بدا لي أن للحسن شاهدا | يؤمل أن لو نال سهما من الأنس |
فرحت إلى سطر الرسائل راغبا | أجلك عن قولى كتبت إلى نفسى |
وسرى يا بحر العلى متنعم | لديك وسفن الوجد ما برحت ترسى |
ورب محب أنعشته رسائل | أتته عن الأحباب من خضرة القدس |
ويعجز عن رد الجواب وإنه | لأشوق من قيس وأفصح من قس |
معالم القلب لم تترك لنا شجنا | مذ أبصر القلب من ذاك الجناب سنا |
يشكو الجوى والنوى من لم ينل سببا | من الهوى غير عوى أورثته عنا |
مطيعة رأي البين في عصمة الهوى | حنانيك ما أبقيت قلبا ولا لبا |
أترضين أن يفنى الهوى وذوى الهوى | وتبقين لا حبا لديك ولا حبا |
أصامتة الخلخال ناطقة الشنف | أما آن أن أبدى من الوجد ما أخفى |
علمت بأنى لست أول عاشق | دنا فخفى أو آثر البعد فاستصفي |
وأنى أختار البعاد عن الجفا | وبرق الثنايا عن ورود بلا رشف |
وكم من محب ظن في القرب راحة | فأشرف من تلك الظنون على الحتف |
بخلت وحتى بالسلام وحبذا | رضاك وأختار الصدود على العطف |
وملت إلى هجرى وقلت تهكما | ألم تدر أن الميل من عادة العطف |
عرفت بوصل العاشقين وعندما | هويتك يالمياء حلت عن العرف |
وأرسلت مع مر النسيم تحية | فما ضر لو كانت بأنملة الطرف |
ولولا هوى أصمى الفؤاد اقتحامه | تعلقته لم ألف منى الذي ألفى |
وللناس حب واحد غير أنني | أنيف على أهل الصبابة بالضعف |
فحب لما ألفيته من محاسن | لديك ومعنى لا يحدد بالوصف |
وحب بحب العامرية فهو لي | رقى وبه من معضل الداء أستشفى |
وهاتفة دلت عليك بسجعها | فقلت لها أغنى العيان عن الهتف |
فواعجبا حتى الحمام مطوق | بنعماك مخضوب الأنامل والكف |
فدونك من هذا الخطاب مقالة | تطوف على الأفهام بالقرقف الصرف |
حميا بأكناف الحطيم اعتصارها | تجل عن الراووق والكأس والظرف |
فلا تحسبنها كالمديح فإنها | تحاشى بتحقيق المعانى عن الخلف |
وليس بفنى المدح كلا وإنما | مطارحة الأحباب لم تخل عن لطف |
ولو أيقن المداح أن سوف يسألوا | لما أطلقوا اسم الغزال على الخشف |
رياض الهنا أما شذاك فرائح | وأما محيا السعد فيك فمقبل |
خليلة ثغر البشر أصبح باسما | قفا وانعما هذا حبيب ومنزل |
ألم تعلما أن اللقا يذهب الشقا | ولو كان إلا طائف متمثل |
ألا في سبيل السالكين إلى العلا | يلذ لهذا القلب ما يتحمل |
على الصب أن يلقى مقاليد لبه | ويصغى إلى أمر الغرام ويقبل |
ويأتم من ليلى بأشرف وجهة | إليها وجوه الراشدين تحول |
فكم فاز في ساحتها متأدب | وغنى على أبوابها متطفل |
وذى عزمة في الحب لا متوسد | شمالا ولا برد الونا متبدل |
وغلة شوق لا يعل سهاده | لينحله ثوب السقام وينحل |
ذروه يوافى ذروة المجد إنه | يكون على حسب الغرام التوصل |
مشوق إذا قيل النقا حل طرفه | غضا منه فانهل الغمام المجلجل |
وإن هتف الشادى برامة واتقت | حيازيمه بالحزم وعز التجمل |
معالم ماذا شرفت من عوالم | لها الملأ الأعلى محل مبجل |
حلت من حلاها الدهر أزين حلية | وللمجد فيها عزة تتهلل |
عبير شذا أرجائها متأرج | وفى ظل ذاك الأثل مجد مؤثل |
وبين قباها والقباب معارج | بها عنصر الأنوار يرقى وينزل |
سناها جلاء الطرف فالحظ فإنما | يعد جليل الحظ من يتأمل |
فمن ثم نبراس البصائر ساطع | ضياه وإنسان المحاجر أكحل |
نعمت على سخط النوى ورضا الهوى | وصدق الولا هذا المنى والمؤمل |
وهذا مقام اللائذين وردته | وهذا الجناب المصطفى والمفضل |
وهذا محل السعد واليمن والبها | وأشرف مغنى في العوالم ينزل |
ومهبط وحى الله والحضرة التي | ذرى العرش من أنوارها يتجمل |
ومشرق آيات النبوة هل ترى | أتاها دونه الباب يقفل |
فلا وجلال الله ما خاب قاصد | جناب رسول الله وهو المكمل |
وإن نعيم الخلد من دون نعمة | بها اليوم فاز الواقف المتذلل |
فما بعدها يرتاع روع من الفنا | ولا للجوى من سطوة يتحمل |
سوى أن أجسام المحبين نضوة | على كل حال بالهوى تتعلل |
ولا ضير أن يشفى فؤاد من الأسى | ويشفى على الأسقام عضو ومفصل |
وأن نصوص الدمع محمولة على | سرور اللقا والنص قد يتأول |
يزيد الهوى بالنأى شوقا وباللقا اش | تياقا كلا الكأسين في الحب يثمل |
ولست أناجى غائبا ومن الذي | لنجواك يا خير الورى يتأهل |
ألا يا رسول الله من لي بجامع | من القول فيه مدحك اليوم أجمل |
وماذا عسى يحصى اللسان ويرقم ال | بنان وقد جاء فيك أي مفصل |
ألا يا رسول الله دعوة لائذ | ونفثة مصدور حناياه تشعل |
دعاك وهذا اليافعي ابن خادم ال | مساكين عبد الله يرجو ويأمل |
لبابك يا خير البرايا توجهت | إليك به الأشواق تسعي وترقل |
ولم يتخذ من غير حبك زاده | وليس له من دون جودك منهل |
وما إن له يوما وإن تلفت أسى | وذابت ضنى أوصاله عنك معدل |
كلف الحب واللقا الكلف | راحتى فاشرب سلافات السلف |
إنما أنت لنا إذ سترت | في الهوى شمس الضحى نعم الخلف |
لا تبالى إن تراخت مدة | يمكث الدر زمانا في الصدف |
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 1