عمر بن علي بن رسول - واسم رسول فيما قيل: محمد - بن هارون بن أبي الفتح بن نوحى بن رستم التركمانى الغسانى، من ذرية جبلة بن الأيهم، الملك المنصور، نور الدين أبو الفتح:
صاحب اليمن ومكة. قيل إن جده محمد بن هارون، كان بعض الخلفاء العباسيين يأنس به، فرفع بينه وبينه الحجاب، واختصه برسالته إلى الشام وإلى مصر، فعرف برسول، وترك اسمه الحقيقي، لاشتهاره برسول، حتى صار لا يعرفه بذلك إلا النادر من الناس، ثم انتقل من العراق إلى الشام، ومن الشام إلى مصر، فيمن معه من أولاده، ولايم جماعة من بنى أيوب بمصر لما ملكوها، فرأي بعض بنى أيوب، إرسالهم إلى اليمن لنبلهم، وكره ذلك بعض بنى أيوب، خيفة من تغلبهم على اليمن، ثم أجمعوا على تسييرهم إلى اليمن، صحبة الملك المعظم توران شاه بن أيوب، أخى صلاح الدين يوسف بن أيوب، بعد أن استحلفهم له أخوه صلاح الدين بن أيوب، وأوصاهم بحسن صحبته، والنصح له، فساروا معه إلى اليمن، ثم إن الملك المسعود بن الملك الكامل بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب، بعد ملكه اليمن، ولي نور الدين عمر بن علي بن رسول، صاحب هذه الترجمة، الحصون الوصابية، وأقام فيها مدة، ثم ولاه مكة المشرفة، بإثر ملكه لها، ورتب معه فيها ثلاثمائة فارس على ما قيل، وقصد حسن بن قتادة مكة، بجيش جاء به معه من ينبع، فخرج إليه نور الدين وقاتله، وكسر نور الدين حسن بن قتادة، وأقام نور الدين
على ولاية مكة مدة، وفي مدة ولايته لمكة، عمر المسجد الذي أحرمت منه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، بعد حجها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المسجد بالتنعيم، وهو المسجد الذي يقال له مسجد الهليلجة. وعمارته لهذا المسجد، في سنة تسع عشرة وستمائة، وعمر في ولايته على مكة أو فيما بعدها، الدار التي يقال لها دار سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، في الزقاق المعروف بزقاق الحجر، وتاريخ عمارته لها في المحرم سنة ثلاث وعشرين وستمائة، واستناب الملك المسعود نور الدين، هذا على بلاد اليمن، لما توجه منها قاصدا الديار المصرية، في نصف رمضان سنة عشرين وستمائة، نيابة عامة، خلا صنعاء، فإنه استناب فيها بدر الدين حسن بن علي بن رسول، أخا نور الدين هذا، وجرى بين نور الدين وبين مرغم الصوفي، لما دعا إلى نفسه، حرب، غلبه فيه نور الدين، ولما عاد الملك المسعود من الديار المصرية، قبض على نور الدين فيما قيل، وعلى أخيه حسن، وأخيه فخر الدين أبي بكر، وشرف الدين موسى، تخوفا منهم، لما ظهر منهم من النجابة في غيبته، فإن نور الدين غلب مرغما كما ذكرنا، وبدر الدين غلب الشريف عز الدين محمد بن الإمام المنصور عبد الله بن حمزة، وبعث بهم إلى الديار المصرية مستحفظا بهم، خلا نور الدين، فإنه على ما قيل أطلقه من يومه، لأنه كان يأنس به كثيرا، واستخلفه وجعله أتابك عسكره، فلما عزم الملك المسعود على التوجه من اليمن، إلى الديار المصرية والشامية، استناب نور الدين هذا مرة ثانية على جميع البلاد، وقال له: إن مت، فأنت أولى بملك اليمن من إخوتى، لخدمتك لي ونصحك لى، وإن عشت فأنت على حالك، وإياك أن تترك أحدا من أهلى يدخل اليمن، ولو جاء الملك الكامل والدي مطويا في كتاب. وسار الملك المسعود إلى مكة، فمات بها.
فلما بلغ نور الدين خبر موته، أضمر الاستقلال بملك اليمن، وأظهر أنه نائب للملك المسعود، ولم يغير سكة ولا خطبة، وجعل يولى في الحصون والمدن من يثق به، ويعزل من يخشى منه خلافا، ويعمل على من ظهر منه عصيان، حتى يقتله أو يأسره، ولما استوسق له الأمر في البلاد التهامية، واستقرت قواعده فيها، قصد حصن تعز فحاصره حتى أجهد أهله، بحيث إنهم ابتاعوا حنطة بثلاثين ألف دينار ملكية، وذلك في سنة ست وعشرين وستمائة.
وفى سنة سبع وعشرين، تسلم حصن التعكر وحصن خدد، وتسلم صنعاء
وأعمالها، واستناب بها ابن أخيه أسد الدين محمد بن الأمير بدر الدين حسن، ثم سلم إليه الأمير نجم الدين أحمد بن زكى، براش، لما اضطرب أمره، حين حاصره فيها نور الدين.
فلما كان سنة تسع وعشرين وستمائة، دعا نور الدين إلى نفسه، وأمره بالخطبة له والسكة، وقيل إن ذلك كان في سنة ثلاثين.
وفى سنة إحدى وثلاثين، بعث إلى الخليفة المستنصر العباسي، والد الخليفة المستعصم أبي أحمد عبد الله، خاتمة خلفاء بنى العباس، الذي يترحم عليه خطباء اليمن على منابرهم، هدية عظيمة وسأله أن يقلده بلاد اليمن، ويكتب له بذلك، ويرسل به إليه تقليدا وخلعة، فعاد إليه الجواب، بأن التشريف والتقليد، يصل إليه في عرفة، فخرج من اليمن على النجب يريد الحج، فحج، فلم يصله شيء، ورجع إلى اليمن، وهو متغير من راجح بن قتادة، لكونه لم يواجهه لما حج وفر منه.
ولما وصل إلى اليمن، وصله ما طلبه من الخليفة، في سنة اثنتين وثلاثين في البحر على طريق البصرة، مع رجل يقال له معالى، والسلطان نور الدين في الجند، فصعد الرسول المنبر، وقال: يا نور الدين! الديوان السعيد يقريك السلام، ويقول: قد تصدقنا عليك باليمن، وألبسه الخلعة على المنبر.
ولم يزل نور الدين يستزيد في الولايات، حتى ملك من عدن إلى عيذاب، وكان المقوى له على طلب السلطنة، إشارات من صاحبى عواجة، الشيخ البجلى والفقيه الحكمى، ومنامات رآها، منها المنام الذي أشرنا إليه، وجرى بينه وبين الملك الكامل، والد الملك المسعود حروب بسبب مكة، وجرى ذلك بينه وبين الملك الصالح، بن الملك الكامل أخى الملك المسعود.
وأول ملكه لمكة، في سنة تسع وعشرين وستمائة، وذلك أنه بعث في هذه السنة إلى مكة، أميرا يقال له ابن عبدان، مع الشريف راجح بن قتادة، وبعث معهما خزانة كبيرة، فنزلوا الأبطح وحصروا الأمير الذي بمكة من جهة الملك الكامل، وكان يقال له ظغتكين، وأرسل الشريف راجح بن قتادة إلى من مع طغتكين، وذكرهم إحسان نور الدين إليهم، أيام ولايته على مكة، نيابة عن الملك المسعود، فمال إليه رؤساؤهم، فلما أحسن بذلك طغتكين، هرب إلى ينبع، وعرف الملك الكامل الخبر، فجهز جيشا كثيفا
من مصر، وأمر الشريف أبا سعد صاحب ينبع، والشريف شيحة أمير المدينة، أن يكونا مع عسكره، ففعلا.
فلما وصل العسكر إلى مكة، قاتلوا راجحا وابن عبدان، فقتل ابن عبدان، وانكسر أهل مكة، واستولى عليها طغتكين، وأظهر حقده في أهلها.
فلما كانت سنة إحدى وثلاثين، أرسل السلطان نور الدين، عسكرا جرارا وخزانة عظيمة، إلى راجح بن قتادة، فنهض راجح بمن معه من العسكر المنصوري، وأخرجوا من بمكة من عسكر صاحب مصر.
فلما كانت سنة اثنتين وثلاثين، أرسل السلطان نور الدين بخزانة كبيرة، إلى راجح بن قتادة، على يد ابن النصيرى، وأمره باستخدام الجند، ليمنعوا العسكر المصري الواصل إلى مكة من دخولها، فوصل ابن النصيرى إلى راجح، في وقت لم يمكنه فيه استخدام من يقوى به على مقاومة العسكر المصري، وكان العسكر المصري خمسمائة فارس، فيه خمسة من الأمراء، مقدمهم الأمير جفريل، ففر راجح وابن النصيرى إلى اليمن.
فلما كانت سنة ثلاث وثلاثين، أرسل السلطان نور الدين عسكرا، مقدمه الشهاب ابن عبدان، ومعه خزانة إلى راجح، ليستخدم بها عسكرا، ففعل. فلما صاروا قريبا من مكة، جهز إليهم العسكر المصري، فالتقوا بمكان يقال له الخريقين، بين مكة والسرين، فانهزمت الأعراب، وأسر ابن عبدان، وبعث به جفريل إلى الديار المصرية مقيدا.
فلما كانت سنة خمس وثلاثين، توجه السلطان نور الدين إلى مكة في ألف فارس، وأطلق لكل جندي يصل إليه من أهل مصر المقيمين بمكة، ألف دينار وحصانا وكسوة، فمال إليه كثير من الجند، فأرسل إليه راجح بن قتادة، فواجهه في أثناء الطريق، وحمل إلى راجح النقارات والكؤوسات، واستخدم من أصحابه ثلاثمائة فارس، وسار راجح مسايرا للسلطان على الساحل، ثم تقدم إلى مكة، فلما تحقق جفريل وصول الملك المنصور، أحرق ما كان معه من الأثقال، وتقدم إلى الديار المصرية، فبعث راجح إلى السلطان يخبره الخبر وهو بالسرين، فبشره بذلك، فقال له السلطان: من أين جئت؟ قال: من مكة، قال: ومتى خرجت من مكة؟ قال: أمس العصر، قال له: ما أمارة ذلك؟ قال: هذا كتاب من الشريف راجح، فكثر تعجب السلطان من سرعة سيره، وأمر السلطان الأمراء والمماليك، أن يخلعوا عليه ما كان عليهم من الثياب، فخلعوا عليه ما أثقله. وسار السلطان من فوره إلى مكة، فدخلها معتمرا في شهر رجب، وتصدق في مكة
بأموال جزيلة، وأنفق على عساكره، وجعل فيها رتبة مائة وخمسين فارسا، وجعل عليهم ابن الوليدى وابن التعزى، وفي هذه الوقعة يقول الأديب جمال الدين محمد بن حمير يمدح الملك المنصور بقصيدة، منها [من البسيط]:
من ذا يلوم أميرا فر من ملك | لا ذاك ذاك ولا كالخنصر العضد |
ولم يزل عسكر المنصور بمكة، حتى خرجوا منها في سنة سبع وثلاثين، لما وصل الأمير شيحة صاحب المدينة إلى مكة، في ألف فارس، من جهة صاحب مصر.
ثم إن السلطان نور الدين، جهز ابن النصيرى والشريف راجحا إلى مكة في عسكر جرار، فلما سمع بهم شيحة وأصحابه، خرجوا من مكة هاربين، فتوجه شيحة إلى مصر قاصدا صاحبها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فجهز معه عسكرا، فوصلوا إلى مكة في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وحجوا بالناس.
فلما كانت سنة تسع وثلاثين، جهز السلطان نور الدين جيشا كثيفا إلى مكة، فلما علم بهم العسكر المصري الذي بمكة، كتبوا إلى ملكهم صاحب مصر، يطلبون منه نجدة، فأرسل إليهم مبارز الدين علي بن الحسين بن برطاس، وابن التركمانى، في مائة وخمسين فارسا، فلما علم بذلك عسكر صاحب اليمن، عرفوه الخبر، وأقاموا بالسرين، فتجهز السلطان بنفسه إلى مكة، في عسكر جرار، فلما علم المصريون بقدومه، خرجوا هاربين، وأحرقوا ما في دار السلطنة بمكة، فدخلها السلطان نور الدين، وصام بها شهر رمضان، وأرسل السلطان نور الدين إلى أبي سعد صاحب ينبع، فلما أتاه أكرمه وأنعم عليه واستخدمه، واشترى منه قلعة ينبع، وأمر بخرابها، حتى لا تبقى قرارا للمصريين، وأبطل السلطان نور الدين من مكة سائر المكوسات والجبايات والمظالم، وكتب بذلك مربعة، وجعلت قبالة الحجر الأسود، ورتب في مكة مملوكه الأمير فخر الدين الشلاح وابن فيروز، وجعل الشريف أبا سعد بالوادى مساعدا لعسكره الذين بمكة ولم تزل مكة في ولاية الملك المنصور، وبها نوابه حتى مات، إلا أن الشريف أبا سعد، تغلب على نائبه ابن المسيب، الذي ولى مكة بعد الشلاح، وأظهر أبو سعد أنه إنما تغلب على ابن المسيب، لما رأي منه من الخلاف في حق الملك المنصور.
ومما صنعه الملك المنصور من المآثر بمكة: أنه أرسل بقناديل من الذهب والفضة للكعبة، في سنة اثنتين وثلاثين، على يد ابن النصيرى، وعلق القناديل فيها، وعمر بها المدرسة التي له بالجانب الغربى من المسجد الحرام، ملاصقة لمدرسة الزنجيلي، وتاريخ عمارتها سنة إحدى وأربعين وستمائة.
وذكر الجندي: أن ملوك الأرض غبطوه على هذه المدرسة. وله مدارس أخر باليمن، منها مدرستان أنشأهما بمغربة تعز: الوزيرية، والغرابية - فالوزيرية سميت بمدرس كان بها، يقال له الوزيرى، والغرابية سميت بمؤذن كان بها يقال له الغراب - ومدرسة بعدن.
وأما المساجد، فلا تكاد تحصى على ما قيل، وكان في بدايته حنفي المذهب، ثم صار شافعيا. وسبب انتقاله إلى مذهب الشافعي على ما قيل، أنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: يا عمر! صر إلى مذهب الشافعي، أو كما قال. فأصبح ينظر في كتب الشافعي ويعتمد مذهبه، وكان ذا هيبة، شجاعة وإقدام وحزم وعزم، دانت له البلاد والعباد، وأدرك في نفسه المراد.
وقضى الله له بالشهادة، وذلك أنه توفى مقتولا في ليلة السبت، تاسع ذي القعدة، سنة سبع وأربعين وستمائة بقصر الجند، قتله مماليكه بتشجيع ابن أخيه الأمير أسد الدين محمد بن الحسن فيما قيل: لكون عمه أراد عزله من صنعاء، وكانت إقطاعه، ليوليها الملك المنصور لابنه الملك المظفر يوسف.
وأخباره كثيرة، وسيرته شهيرة، وقد أتينا على عيون منها كافية، ونسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير وعافية، ولا منافاة بين نسبته إلى غسان، ونسبته إلى التركمان، لأنه يجوز أن يكون أحد أجداده، نزل في بلاد التركمان، فنسب إليهم، وسرت هذه النسبة إلى أولاده من بعده، والله أعلم.