موسى بن علي بن موسى المصري المناوى المالكي:
الشيخ العالم العامل المكاشف المشهور المعتقد، شرف الدين، عني بفنون كثيرة من العلم، وصار نبيها في الفقه والعربية والقراءات والحديث، وحفظ فيه «الموطأ» لمالك، رواية يحيى بن يحيى حفظا جيدا، وكتب ابن الحاجب الثلاثة وله حظ وافر من الصلاح والخير، ومكاشفات كثيرة.
ولد بمنية القائد من عمل مصر، في سنة بضع وخمسين وسبعمائة، ونشأ بها، وشرع في حفظ مختصر أبي شجاع على مذهب الإمام الشافعي، ثم أعرض عن ذلك، ورغب في مذهب الإمام مالك، فقدم القاهرة للاشتغال بالعلم، فجد في ذلك حتى حصل، ومن شيوخه في العلم: القاضي نور الدين علي بن الجلال المالكي، والنحوي شمس الدين الغمارى.
وروى الحديث عن الشيخ سراح الدين بن الملقن، وبرع في العربية، وحصل الوظائف، ثم أقبل على العبادة والزهد، وترك ما كان بيده من الوظائف، من غير عوض يعوضه، وانفرد بالصحراء مدة، وسكن الجبل، وأعرض عن جميع أمور الدنيا، وصار يقتات مما تنبته الجبال، ولا يدخل البلد إلا يوم الجمعة، ليشهدها ثم يمضى، ففتح عليه بخير كثير، وصار يكاشف بأشياء غامضة، ويبشر بأشياء، فتتفق كما يشير إليه، ويخبر عن أمور عظيمة شاهدها في تجرده.
فمن ذلك على ما أخبرت عنه: أنه رأي الخضر عليه السلام عند خروجه من مصر متوجها للحج، وأنه رأي النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة النبوية، وقال له صلى الله عليه وسلم: قل لهذا الحائط ينشق، فقال ذلك للحائط، فقال الحائط: من أمر بذلك! فقال له: النبي صلى الله عليه وسلم، فانشق الحائط.
وأنه رأي سيدنا إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم، وتكلم معه في شيء من العلم. وأنه رأي سيدنا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، والإمام مالكا رضي الله عنه، والشافعي رضي الله عنه. فقال له: ما هي إلا عنايات وصحابات، وأبا حنيفة رضي الله عنه مرتين، ونافع بن أبي نعيم القارئ، وجماعة من العلماء.
ومن مكاشفاته على ما أخبرني به بعض أصحابنا: أن بعض الناس أرسل مع المخبر لي بخمسين درهما يعطيها للشيخ موسى المذكور، فجاء بها إليه، فردها، فسأل الآتي بها المرسل له بها: هل فيها شبهة؟ فقال: نعم. فأعطاه خمسين درهما من غير هذه الجهة، وأمر بإعطائها للشيخ موسى، فامتنع من قبولها ثانيا، فلامه الرسول على امتناعه، فقال له: تطعمنى النار! وأخبرني صاحبنا المشار إليه: أنه أحضر للشيخ موسى حقا فيه زنجبيل مربى، فأكل منه الشيخ موسى أكلا كثيرا، فخطر ببال صاحب الزنجبيل، أنه لا يؤكل على هذه الصفة، لكونه يتداوى به، فما انقضى هذا الخاطر، إلا والشيخ موسى قد أعرض عن الأكل، وغطى الحق وقال: ما بقينا نأكل شيئا.
وأخبرني أيضا، أن بعض أصحابه دعاه إلى منزله، والشيخ موسى عنده، فقال له الشيخ موسي: تغدى؟ فقال المخبر لي: فقلت في نفسي: أنا صائم. فقال الشيخ موسي: تعشى عنده بعد المغرب.
وأخبرني صاحبنا المشار إليه، عن الشيخ موسى بمكاشفات أخر، وهذا معنى ما أخبرني به. وأخبرني أيضا أن بعض أصحابه، تخوف من بعض الأمراء لما ورد إلى مكة، قال: فاجتمعت بالشيخ موسى، وشكوت عليه ذلك، فقال: ما يصيبه إلا خير، فسلم من شر الأمير.
ومما بشر به على ما أخبرني به بعض أصحابنا، أنه استفتى بعض علماء مكة عن مسألة، فقال في آخر السؤال: ويحجون بالناس، ويقفون بهم بعرفة وغيرها، فقدر أن المسئول حج بالناس، وفعل ما أشار إليه الشيخ موسى.
وأخبرني المخبر لي بهذه الحكاية، أنه عاد بعض الناس، فلما خرج من عنده، لقى الشيخ موسى، فقال له: كنتم عند فلان؟ فقال له المخبر: نعم. فقال له الشيخ موسي: ما يجئ منه شيء. فمات الرجل المشار إليه في مرضه ذلك.
وبشارته ومكاشفته كثيرة، وقد سمعت بعض أصحابنا يقول: لم أر أكثر منه مكاشفة. وكنت أنا أجتمع به كثيرا، وأستفيد منه أشياء حسنة، وأول اجتماعى به بالقاهرة، في سنة ثمان وتسعين وسبعمائة، وتوجه فيها أو بعدها بقليل إلى الحجاز، فحج وجاور بالحرمين الشريفين، وكان يغيب في برارى المدينة اليوم واليومين، ثم يأتي ويخبر ببعض ما شاهده من الأمور التي أشرنا إليها وغيرها، وكان يجوع كثيرا وينفر من الناس، ويسألونه من الأكل عندهم، فيمتنع مع شدة جوعه، ثم تحيل عليه الناس، حتى استألفوه قليلا قليلا، فأنس بهم وصار يأكل عندهم، فكثرت شهوته للطعام، وصار
يتناول من ذلك كثيرا عند أصحابه، ويشتريه في كثير من الأوقات، وكان يعيب ذلك على نفسه، ويعده نقصا فيه، وفي رتبته من الصلاح، ويقول: أتيت من مخالطتى لأهل الدنيا.
ومع ذلك فخيره وافر، وبركته ظاهرة، حتى مضى لسبيله، بعد أن تعلل خمسين يوما من مرض في جوفه.
ومما حفظ عنه من المكاشفة في مرضه، أن جماعة عادوه، فبكوا عليه لتوقعهم قرب وفاته، ففهم عنهم ذلك، وأشار إلى أنه لا يموت في ذلك الوقت، وأنه يموت يوم الاثنين، فقدر أنه عاش بعد ذلك أياما، ومات يوم الاثنين، الثاني والعشرين من شعبان المكرم، سنة عشرين وثمانمائة بمكة المشرفة، ودفن بالمعلاة، بعد الصلاة عليه عند باب الكعبة، ولم أر مثل جنازته، وما قدر أحد على الوصول إلى حملها - لكثرة الازدحام على حملها - إلا بمشقة فادحة، وأظنه بلغ الستين.
ومن الفوائد التي سمعتها منه، وعزاها «للمبسوط» تأليف القاضي إسماعيل المالكي: أن محمد بن عبد الحكم المالكي، رئى على باب أشهب - أحد أصحاب مالك - للأخذ عنه، وكان أخذ قبل ذلك عن ابن القاسم، فقيل لابن عبد الحكم [من الطويل]:
تبدلت بعد الخيزران جريدة | وبعد ثياب الخز أحلام نائم |
قال الشيخ موسي: وأحلام نائم: ثياب من القطن مصبوغة. هذا معنى ما سمعته منه في هذه الحكاية، وما بلغني عنه من الأمور التي أخبر بها، وكاشف بها، وبشر بها. فالله سبحانه وتعالى يرحمه.