أبو بكر بن عبد الرازق الدكالى المالكي:
نزيل مكة، كان كثير الخير والصلاح والورع، مجتهدا في العبادة، بحيث يستغرق فيها أوقاته، جاور بمكة بضعا وعشرين سنة، ملازما للصلاة والطواف والصيام، وتوجه في سنة عشر وثمانمائة أو قربها، إلى المدينة النبوية زائرا، فمكث بها أشهرا، ثم عاد إلى مكة، وكذلك في سنة اثنتين وثمانمائة، وعاد إلى مكة، وما خرج من مكة بعد ذلك لغير الحج والعمرة.
وله معرفة بمذهب مالك، وتفقه فيه على الفقيه محمد بن يوسف الإسكندري المالكي بالإسكندرية وسكنها مدة سنين، وظهر بها خيره لأهلها، فاعتقدوه. وكان أشار لبعض حكام الإسكندرية في أمر بخير، فلم يقبل ذلك منه الحاكم المشار إليه، ثم أصيب الحاكم بعد مدة، فكثر اعتقادهم للشيخ أبي بكر، وكان للناس بمكة فيه اعتقاد جميل، وشفع عند بعض قضاتها في قضية فلم يجبه، فلما عرف ذلك أخبر بتغير حال بعض ذلك القاضي، فظهر ذلك بعد قليل، وشفع عند مفتاح الزفتاوى، نائب الإمرة بمكة، بأن لا يتعرض لامرأة يعرفها الشيخ أبو بكر بسوء، فأظهر مفتاح موافقته على ذلك، ثم عاد للتشويش على المرأة، فعرف بذلك الشيخ المذكور، فقال: لا يفلح. فقدر أن بعض بنى حسن أغاروا على مكة، فخرج مفتاح لحربهم، فقتل في اليوم الذي عاد فيه
التشويش على المرأة، أو بقربه، وكان السيد حسن بن عجلان يكرمه كثيرا، وكان لي كثير المودة، ويسألنى عن كثير من مسائل المذهب، وكان على ذهنه شيء من أسرار الحروف والأسماء، وكان قدومه إلى مكة في سنة إحدى وثمانمائة، أو قبلها بقليل، ورزق بمكة من أمة تسرى بها ولدا وبنتا، فماتا، ثم أمهما، وكثر أسفه على ابنه، فتعلل بعده نحو أربعة أشهر، حتى مات شهيدا مبطونا، وكان موته وقت الظهر من يوم الأربعاء، سادس عشر رجب سنة سبع وعشرين وثمانمائة بمنزله بالخزامية بمكة المشرفة، وصلى عليه عند الكعبة المعظمة عقيب صلاة العصر، ودفن بالمعلاة، وكان الجمع وافرا في تشييعه، وممن شيع جنازته ومشى فيها إلى المعلاة وحملها، الشريف نور الدين على ابن عنان بن مغامس بن رميثة الحسني المكي، أمير مكة، والأمير الكبير السيفى قرقماس الأشرفى، مقدم العسكر المنصور بمكة، وغيرهم، أثابهم الله تعالى، وكنت فيمن شيعه، وأظنه من أبناء الستين أو قربها.