ابنة أبي الحسن المكي، الزاهدة العابدة:
كانت مقيمة بمكة حتى توفيت بها، في سنة ست وثلاثين وستمائة، كما ذكر صاحب «المرآة».
وقال: حدثنا غير واحد، عن محمد بن أبي طاهر البزار، عن القاضي علي بن المحسن التنوخى، عن أبيه، قال: حدثني عبيد الله بن أحمد بن بكر، قال: كان لأبي الحسن المكي ابنة مقيمة بمكة، وكانت أشد ورعا من أبيها وكانت تقتات في كل سنة بثلاثين درهما، يبعثها إليها أبوها من شق الخوص.
قال: وأخبرني ابن أبي الرواس، وكان جارا لأبي الحسن المكي، قال: عزمت على الحج، فأتيته أستعرض حوائجه، فدفع إلى قرطاسا فيه دراهم، وقال: ترسله إلى ابنتى بمكة، في الموضع الفلانى، قال: فأخذته، فلما وصلت إلى مكة سألت عنها، فوجدتها في الزهد والعبادة أشهر من أبيها، ففتحت القرطاس وجعلت الثلاثين خمسينا وأتيت إليها، فسلمت عليها، وقلت: أبوك يسلم عليك، وقد بعث لك هذه الدراهم، فلما حصل القرطاس في يدها، قالت: ايش خبر أبي؟ قلت: على خير وسلامة، قالت: هل خالط أبناء الدنيا وترك الانقطاع إلى العبادة؟ قلت: لا، قالت: فأسألك بمن حججت إلى بيته، هلى خلطت هذه الدراهم بشيء من مالك؟ قلت: ومن أين علمت؟ فقالت: ما كان أبي يزيدنى على الثلاثين شيئا، لأن حاله لا يحتمل أكثر من ذلك، إلا أن يكون قد خالط أهل الدنيا. ثم رمت بالقرطاس وقالت: خذه فقد عققتني وأجعتني طول السنة، وأحوجتني إلى أن أقتات من المزابل إلى الموسم الآخر، لأن هذه كانت قوتي طول السنة، ولولا أنك ما قصدت أذاي لدعوت عليك.
قال: فقلت لها: خذى ثلاثين وردي الباقى.
قالت: ما أعرفها بعينها وقد اختلطت، ولا آخذ مالا لا أدري من أين هو.
قال: فأغتممت، وعدت إلى أبيها، فأخبرته واعتذرت.
فقال: لا آخذها، وقد اختلطت بغير مالي، فقد عققتني وإياها. فقلت: فما أصنع بها؟ قال: تصدق بها.