إسماعيل بن القاسم أبو علي القالي اللغوي
ولد بمنار جرد من ديا بكر فنشأ بها ورحل منها إلى العراق، وطلب العلم فدخل في سنة ثلاث وثلاثمائة، سمع من أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبي سعيد الحسن بن علي بن زكريا بن يحيى بن صالح بن عاصم بن زفر العدوي وأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبي بكر محمد بن الحسن بن دريد، وأبي بكر محمد بن السمري المعروف بابن السراج وأبي اسحق إبراهيم بن السري الزجاج، وأبي الحسن علي بن سليمان الأخفش وأبي عبد الله بإبراهيم بن عرفة نفطويه وأبي بكر محمد بن القاسم بن بشار المعروف بابن الأنباري، وأبي جعفر أحمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة وأبي محمد عبد الله بن جعفر بن درستويه وأبي عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد المطرز وغيرهم وقيل إنه كان سمع من أبي يعلي أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، ومال بطبعه إلى اللغة وعلوم الأدب فبرع فيها واستكثر منها، وأقام ببغداد خمساً وعشرين سنة ثم خرج منها قاصداً إلى المغرب في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، ووصل إلى الأندلس في سنة ثلاثين وثلاثمائة في أيام عبد الرحمن الناصر وكان ابنه الأمير أبو العاصي الحكم بن عبد الرحمن من أحب ملوك الأندلس للعلم، وأكثرهم اشتغالاً به، وحرصاً عليه، فتلقاه بالجميل وحظي عنده، وقربه وبالغ في إكرامه، ويقال إنه قد كتب إليه ورغبة في الوفود عليه، واستوطن قرطبة ونشر علمه بها، وكان إماماً فيي علم اللغة متقدماً لها فاستفاد الناس منه وعولوا عليه، واتخذوه حجة فيما نقله، وكانت كتبه على غاية التقييد والضبط والإتقان، وقد ألف في علمه الذي اختص به تواليف مشهورة تدل على سعة روايته وكثرة إشرافه، وأملى كتاباً سماه ’’النوادر’’ يشتمل على أخبار وأشعار ولغة، سمع منه جماعة وحدثوا عنه، منهم أبو عبد الله بن الربيع ابن عبد الله التميمي، ولعله آخر من حدث عنه أحمد بن أبان بن سيد ومن روى عنه أبو بكر محمد بن الحسن الزبيدي النحوي صاحب مختصر كتاب العين وأخبار النحويين والواضح في النحو، وكان حينئذ إماماً في الأدب، ولكن عرف فضل أبي على فمال إليه، واختص به واستفاد منه وأقر له وقال: سألت أبا علي عن نسبه فقال: أخبرنا إسماعيل بن القاسم بن عبدون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان مولى محمد بن عبد الملك بن مروان، قال: وكان أحفظ زمانه للغة وأرواهم للشعر وأعلمهم بعلل النحو على مذهب البصريين، وأكثرهم تدقيقاً في ذلك، قال: وسألته لم قيل له القالي؟ فقال: لما انحدرنا إلى بغداد كنا في رفقة كان فيها أهل قالي قلا وهي قرية من قرى نارجرد وكانوا يكرمون لمكانهم من الثغر، فلما دخلنا بغداد نسبت إليهم لكوني معهم وثبت ذلك علي، قال أبو محمد علي بن أحمد: وقد ذكر كتاب أبى علي المسمى بالنوادر في الأخبار والأشعار فقال: وهذا الكتاب ’’ساير’’ للكتاب الكامل الذي ألفه أبو العباس المبرد ولئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعراً، قال: ومن كتبه في اللغة ’’البارع’’ كان يحتوي على لغة العرب، وكتاب في المقصور والممدود والمهموز، لم يؤلف في بابه مثله، وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمور وبعد أن صارت إليه، يبعثه على التأليف وينشطه بواسع العطاء، ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام، ومات أبو علي بقرطبة في أيام الحكم المستنصر في ربيع الآخر سنة ستة وخمسين وثلاثمائة، وكان مولده سنة ثمان ومائتين وقيل سنة ثمان وثمانين.
حكى ذلك غير واحد من شيوخنا وأكثر من يحدث عنه بالمغرب أن يحكي عنه يقول: أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: نسبوه إليها لطول مقامه بها، ووصوله إليهم بها، أخبرني أبو محمد على بن أحمد قال: أخبرنا عبد الله بن ربيع التميمي قال: أخبرنا أبو علي إسماعيل بن القاسم البغدادي قال: أخبرنا أبو معاذ عبدان المتطيب قال: دخلنا يوماً بسر من رأى على عمرو بن بحر الجاحظ نعوده وقد قلج، فلما أخذنا مجالسنا أتى رسول المتوكل إليه فقال: وما يصنع أمير المؤمنين بشق مائل ولعاب سائل؟ ثم أقبل علينا فقال: ما تقولون في رجل له شقان؟ أحدهما لما غرز بالمسال ما أحس، والشق الآخر تمر به الذباب فيغوث، وأكثر ما أشكوه الثمانين، ثم أنشدنا أبياتاً من قصيدة عوف بن محلم الحراني قال أبو معاذ: وكان سبب هذه القصيدة أن عوفاً دخل على عبد الله بن طاهر فسلم عليه عبد الله فلم يسمع فأعلم بذلك، فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة فأنشده:
يا بن الذي دان له المشرقان | طرا وقد دان له المغربان |
إن الثمانين وبلغتها قد | أحوجت سمعي إلى ترجمان |
وبدلتني بالشطاط الجنا | وكنت كالصعدة تحت السنان |
وبدلتني من رباع الفتى | وهمتي هم الحيان الهدان |
وقاربت مني خطا لم يكن | مقاربات وثقت من عنان |
وأنشأت بيني وبين الردى | عناية من غير نسج العنان |
ولم تدع في لمستمتع | إلا لساني ويحه من لسان |
أدعو به الله وأثني به | على الأمير المصعبي الهجان |
فقرباني بأبى أنتما | من وطني قبل اصفرار البنان |
وقبل منعاي إلى نسوة | أوطانها حران والرقتان |