الحسن بن إسحاق الطوسي وزير الب أرسلان السلجوقي
الحسن بن إسحاق الطوسي وزير الب أرسلان السلجوقي
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 20
ذكرناه في ج 1 من هذا الكتاب في عداد وزراء السلجوقية الشيعة ولسنا نعلم الآن مأخذه ولا بد ان نكون أخذناه من مصدر معتمد مع اننا فتشنا الآن على مأخذه فلم نجده.
أقوال العلماء فيه
قال ابن الأثير في الكامل: كان عالما دينا جوادا عادلا حليما كثير الصفح عن المذنبين طويل الصمت ومجلسه عامر بالقراء والفقهاء وأئمة الدين وأهل الخير والصلاح امر ببناء المدارس في سائر الأمصار والبلاد اجرى لها الجرايات العظيمة واملى الحديث ببغداد وخراسان وغيرها وكان يقول اني لست من أهل هذا الشأن ولكني أحب ان اجعل نفسي على قطار نقلة حديث رسول الله ص وكان إذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وبدأ بالصلاة وإذا غفل المؤذن امر الأذان وأسقط المكوس والضرائب وكان الوزير عميد الملك الكندري حسن للسلطان طغرل لعن الرافضة فأمره بذلك فأضاف إليهم الاشعرية ولعن الجميع (وفي هذا نظر لان الكندري شيعي بنص ابن كثير فلا بد ان يكون وقع هنا اشتباه) فلهذا فارق كثير من الائمة بلادهم كامام الحرمين وأبي القاسم القشيري وغيرهما فلما ولى ألب ارسلان 165 السلطنة أسقط نظام الملك ذلك جميعه وأعاد العلماء إلى أوطانهم وكان إذا دخل عليه القشيري وأبو المعالي الجويني يقوم لهما ويجلس في مسنده وإذا دخل عليه أبو علي القارمذي يقوم اليه ويجلسه في مكانه ويجلس بين يديه فقيل له في ذلك فقال ان هذين وأمثالهما إذا دخلوا علي يثنون علي بما ليس في فيزيدني ذلك عجبا وتيها وهذا الشيخ يذكر لي عيوب نفسي وما انا فيه من الظلم فتنكسر نفسي وارجع عن كثير مما انا فيه (ومن هنا يعلم ان من يتزلفون إلى الحكام بالثناء عليهم بالباطل ينقصون عندهم ومن صدقهم القول عظم في أعينهم) قال: وقال نظام الملك كنت اتمنى ان يكون لي قرية خالصة ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي ثم بعد ذلك تمنيت ان يكون لي قطعة ارض أتقوت بريعها ومسجد اعبد الله فيه واما الآن فأتمني ان يكون لي رغيف كل يوم ومسجد اعبد الله فيه. وكانت عادته ان يحضر الفقراء طعامه ويقربهم اليه ويدنيهم قيل كان ليلة يأكل الطعام وبجانبه أخوه أبو القاسم وبالجانب الأخر عميد خراسان وإلى جانب العميد إنسان فقير مقطوع اليد فرأى نظام الملك العميد يتجنب الاكل مع المقطوع فقرب المقطوع اليه وأكل معه وأخباره كثيرة قد جمعت لها المجاميع السائرة في البلاد اه. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق بعد ذكر فتوحات ملك شاه السلجوقي قال وهذه السعادة كلها انما تيسرت بسعادة الوزير الكبير خواجه بوزرك قوام الدين نظام الملك أبي علي الحسن بن علي بن إسحاق رضي أمير المؤمنين الوارف الظل الوافر الفضل وكانت وزارته للدولة حلية كأنما خلقه الله للملك والجلالة وكان الإقبال له معلما والطفر الظفر مسخرا قد مشى في ركابه سلطان العرب مسلم بن قريش وقبل حافر مركوبه وكانت ملوك الروم وغزنة وما وراء النهر في ظل حمايته وكانت ملوك الأطراف يقبلون كتفه ويتشرفون بلبس خلعه وكانوا انجادا له وجر الجحافل الثقيلة وبقي في الوزارة ثلاثين سنة قال وكانت علامة نظام الملك الحمد لله على نعمه وكان مؤيدا موفقا مخصوصا من الله بالنصر والدهماء ساكنة في أيامه وأهل الدين والعلم راتعون في انعامه وفي أيامه نشا للناس أولاد نجباء وتوفر على تهذيب الأبناء الاباء ليحضروهم في مجلسه فإنه كان يرشح كل أحد لمنصب يصلح له بمقدار ما يرى فيه من الرشد والفضل ومن وجد في بلده قد تميز في العلم بنى له مدرسة ووقف عليها وقفا وجعل فيها دار كتب وكأنما عناه أبو الضياء الحمصي بقوله:
و ما خلقت كفاك الا لأربع | وما في عباد الله مثلك ثاني |
لتجريد هندي وإسداء نائل | وتقبيل أفواه وأخذ عنان |
ألف دينار في السنة ووجه نصفه على بلد من الروم ونصفه على وجه في أقصى خراسان وكان ينظر في الأوقاف والمصالح ويرتب عليها الأمناء ويشدد في أمرها ويكلها إلى الآمنة ووظف على ملوك الأطراف حمولا لخزانة السلطان وقرر معهم الحضور إلى الخدمة والوصول بالعساكر حتى ملأ الخزائن بالمال والبلاد بالعساكر ونشا له أولاد فاوطا عقبهم ولما وفر الأموال على الخزانة والعسكر جعل فيها للعلماء وأصحاب الحقوق نصيبا وصير إحسان السلطان بين أهل العلم ميراثا فلا جرم تذللت له المصاعب وتيسرت له المطالب ودانت له المشارق والمغارب اه.
ابتداء حاله ومجمل اخباره
قال ابن الأثير في الكامل كان من أبناء الدهاقين بطوس فزال ما كان لأبيه من مال وملك وتوفيت أمه وهو رضيع فكان أبوه يطوف به على المرضعات فيرضعنه حسبة حتى شب وتعلمالعربيةو سر الله فيه يدعوه إلى علو الهمة والاشتغال بالعلم فتفقه وصار فاضلا وسمع الحديث الكثير ثم اشتغل بالأعمال السلطانية ولم يزل الدهر يعلو به ويخفض حضرا وسفرا وكان يطوف بلاد خراسان ووصل إلى غزنة في صحبة بعض المتصرفين ثم لزم أبا علي بن شاذان متولي الأمور ببلخ لداود والد السلطان ألب ارسلان فحسنت حاله معه وظهرت كفايته فلما حضرت ابن شاذان الوفاة اوصى به الملك ألب ارسلان وعرفه حاله فولاه شغله ثم صار وزيرا له إلى ان ولي السلطنة بعد عمه طغرلبك واستمر على الوزارة وظهرت منه كفاية عظيمة وآراء سديدة قادت السلطنة إلى ألب الاسلان ارسلان فلما توفي ألب ارسلان قام بامر ابنه ملك شاه وهذا إجمال يأتي تفصيله. وقيل ان ابتداء امره انه كان يكتب للأمير تاجر صاحب بلخ وكان الأمير يصادره في كل سنة ويقول له قد سمنت يا حسن ويدفع اليه فرسا ومقرعة ويقول هذا يكفيك فلما طال عليه ذلك أخفى ولديه فخر الملك ومؤيد الملك وهرب إلى جغري بك داود والد ألب ارسلان فوقف فرسه في الطريق فسال الله فرسا يخلصه عليه فلقيه تركماني تحته فرس جواد فأعطاه إياه وأخذ فرسه وقال له لا تنس هذا يا حسن قال فقويت نفسي وعلمت انه ابتداء سعادة فسار إلى مرو ودخل على داود فسلمه إلى ولده ألب ارسلان وقال هذا حسن الطوسي فاتخذه والدا لا تخالفه وكان الأمير تاجر لما سمع بهربه تبعه إلى مرو فقال لداود هذا كاتبي ونائبي وقد أخذ اموالي فقال له داود حديثك مع محمد يعني ألب ارسلان فلم يتجاسر على خطابه ورجع. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق نقلا عنه قال كنت في مبدأ امري في خدمة الأمير بيجير اسفهسلار خراسان فاشخصني اليه من موضع كنت متوليا له وانا متوجه نحوه الأمل منكسر القلب على فرس حرون هزيل يتعبني سيره وانا في ضر شديد من ركوبه فبينما انا سائر إذ ظهر من صدر البرية تركماني على فرس يجري جري الماء رهوان فتمنيت ان أكون راكبا مثله فتقرب التركماني مني واختلط بالموكلين بي وكلمهم ثم التفت إلي وقال هل لك ان تقايض فرسك بفرسي فحسبت انه يهزأ بي وقلت له يجوز مع ما انا فيه من هذه المحنة ان لا تستهزئ بي فنزل في الحال عن فرسه وأعطانيه وأخذ فرسي واليوم منذ ثلاثين سنة اتمنى لقاءه واسال عنه ولا أجده.
اخباره مع ألب ارسلان السلجوقي وابنه ملك شاه.
قد عرفت ان ألب ارسلان استوزره قبل ان يلي السلطنة: ولما ولي السلطنة بعد عمه طغرل استمر نظام الملك على وزارته. في مختصر تاريخ آل سلجوق تأليف عماد الدين محمد الاصفهاني واختصار الفتح بن علي البنداري الاصفهاني لما ورد ألب ارسلان الري بعد وفاة عمه ومعه وزيره نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي تلقاه عميد الملك أبو نصر محمد بن منصور الكندري وزير طغرل وأول وزراء السلجوقية وأجلسه على السرير فغار نظام الملك واحتال في قبضه فلما كان سنة 359 459 زار عميد الملك نظام الملك وترك بين يديه منديلا فيه خمسمائة دينار فلما انصرف سار أكثر العسكر في خدمته فتخوف السلطان من عاقبة ذلك فقبض على الكندري وقتله واستوى بذلك امر نظام الملك وقال ابن الأثير في حوادث سنة 456 سمع ألب ارسلان السلجوقي ان قتلمش وهو سلجوقي أيضا عصى عليه وخرج لحربه فأرسل اليه ينكر عليه فعله فقال نظام الملك لألب ارسلان قد جعلت لك من خراسان جندا ينصرونك ولا يخذلونك ويرمون دونك بسهام لا تخطئ وهم العلماء والزهاد فقد جعلتهم بالإحسان إليهم من أعظم أعوانك وليس لبس نظام الملك السلاح واقتتلوا فانهزم قتلمش واستولى القتل والأسر على عسكره فأراد السلطان قتل الأسرى فتشفع فيهم نظام الملك فعفا عنهم واطلقهم ووجد قتلمش ميتا فبكى السلطان لموته وعظم عليه فقده فسلاه نظام الملك اه.
(وكم تدل هذه الاخبار على ما لنظام الملك من المحاسن). قال وفيها سار السلطان لغزو الروم وجمع من العساكر ما لا يحصى وجعل مكانه في عسكره ولده ملك شاه ونظام الملك وزيره فسار إلى قلعة فيها جمع كثير من الروم وساروا منها إلى قلعة سرماري فملكوها وبالقرب منها قلعة اخرى ففتحها ملك شاه وأراد تخريبها فنهاه نظام الملك وقال هي ثغر للمسلمين وشحنها بالرجال والذخائر والأموال والسلاح وسار ملك شاه ونظام الملك إلى مدينة مريم نشين وهي مدينة حصينة وعندها نهر كبير فأعد نظام الملك لقتالهما ما يحتاج اليه من السفن وغيرها وواصل قتالهما ليلا ونهارا وجعل العسكر عليها يقاتلون بالنوبة فضجر أهلها ووصل المسلمون إلى سورها ونصبوا عليه السلالم وصعدوا إلى أعلاه لان المعاول كلت عن نقبه لقوة حجره ودخل ملك شاه ونظام الملك البلد ثم استدعاهما ألب ارسلان وفرح بالفتح اه.
المدرسة النظامية
وقال في حوادث سنة 457 فيها ابتدئ بعمارة المدرسة النظامية ببغداد (وهي مدرسة عمرها نظام الملك هذا فنسبت اليه) وقال في حوادث سنة 459 فيها في ذي القعدة فرغت عمارة المدرسة النظامية وتقرر التدريس بها للشيخ أبي إسحاق الشيرازي ولما اجتمع الناس لحضور الدرس طلب فلم يوجد لانه لقيه صبي فقال له كيف تدرس في مكان مغصوب فتغيرت نيته عن التدريس بها ولم يبق ببغداد من لم يحضر غير الوزير فلما ايس الناس من حضوره قال بعضهم لا يجوز ان ينفصل هذا الجمع الا عن مدرس فأشير بابن الصباغ صاحب كتاب الشامل فجلس للدرس ولما بلغ الخبر نظام الملك لم يزل يرفق بأبي إسحاق حتى درس وكانت مدة تدريس ابن الصباغ عشرين يوما. وفي مختصر تاريخ آل سلجوق فيها طلق ألب ارسلان زوجته بنت ملك الكرج وزوجها لنظام الملك وزيره وقال ابن الأثير في حوادث سنة 462 فيها تزوج عميد الدولة بن جهير بابنة نظام الملك
بالري وعاد إلى بغداد. (وعميد الدولة هو وزير الخليفة ابن فخر الدولة أبي نصر محمد بن محمد بن جهير وزير الخليفة) (أقول) وفي ذلك يقول علي بن الحسن بن الفضل الملقب بابن (صردر) قال ابن الأثير كان يلقب بابن صربعر وكان نظام الملك قال له أنت ابن صردر لا صربعر فبقي ذلك عليه يقول في هذه القصيدة:
كفاك نظام الملك أكبر همه | وأتعب في ارائة السر والجهرا |
همام إذا ماهز في الخطب رأيه | فلا عجب ان يخجل البيض والسمرا |
إذا هو امضى نعمة قد تعنست | تخير اخرى من مواهبه بكرا |
و من رأيه الميمون عقد حباله | بحبلك حتى قد شددت به ازرا |
لئن كنت المشتري في سمائه | علوا لقد قارنت في أفقه الشعرى |
فاصبحتما كالفرقدين تناسبا | فأكرم بذا حموا وأكرم بذا صهرا |
167 وذكر في حوادث سنة 466 ان ملك شاه سار يريد سمرقند ففارقها صاحبها وانفذ يطلب المصالحة ويضرع إلى نظام الملك في اجابته إلى ذلك فأجيب اليه. وفي حوادث سنة 467 انه لما توفي القائم وبويع المقتدي كان ممن بايعه مؤيد الملك ابن نظام الملك. قال وفيها جمع نظام الملك والسلطان ملك شاه جماعة من أعيان المنجمين وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت. وفي حوادث سنة 468 ان نظام الملك قصد أبا الحسن بن أبي طلحة الداودي عبد الرحمن بن محمد راوي صحيح البخاري فجلس بين يديه فوعظه وفي مختصر تاريخ آل سلجوق انه في سنة 468 أرسل المقتدي القاضي محمد البيضاوي بصحبة مؤيد الدولة إلى والده نظام الملك لاخذ البيعة على صاحب غزنة ففعل وقال ابن الأثير في حوادث سنة 470 كان فيها فتنة بين أهل سوق المدرسة وسوق الثلاثاء بسبب الاعتقاد (الشافعية والحنابلة) وكان مؤيد الملك بن نظام الملك ببغداد فأرسل إلى العميد والشحنة فحضروا ومعهم الجند فضربوا الناس فقتل بينهم جماعة وانفصلوا. وفيها توفيت ابنة نظام الملك زوجة عميد الدولة ابن جهير نفساء بولد مات من يومه ودفنا بدار الخلافة ولم تجر بذلك عادة لاحد فعل ذلك إكراما لأبيها وجلس الوزير فخر الدولة ابن جهير وابنه عميد الدولة للعزاء ثلاثة أيام وفي حوادث سنة 471 عزل فخر الدولة أبو نصر بن جهير من وزارة الخليفة المقتدي وسبب ذلك ما مر من الفتنة بين الشافعية والحنابلة فنسب أصحاب نظام الملك ما جرى إلى الوزير فخر الدولة وإلى الخدم وكتب محمد بن علي بن أبي الصقر الواسطي الفقيه الشافعي إلى نظام الملك (انتصارا للشافعية):
يا نظام الملك قد حل ببغداد النظام | وبقي القاطن فيه مستهان مستضام |
و بها اودى له قتلى غلام وغلام | والذي منهم تبقى سالما فيه سهام |
يا قوام الدين لم يبق ببغداد مقام | عظم الخطب وللحرب اتصال ودوام |
فمتى لم تحسم الداء أياديك الحسام | ويكف القوم في بغداد قتل وانتقام |
فعلى مدرسة فيها ومن فيها السلام | واعتصام بحريم لك من بعد حرام |
زرت المشاهد زورة مشهودة | ارضت مضاجع من بها مدفون |
فكأنك الغيث استهل بتربها | وكأنها بك روضة ومعين |
فازت قداحك بالثواب وأنجحت | ولك الاله على النجاح ضمين |
وأرسل الخليفة إلى السلطان ونظام الملك يستدعي ابن جهير ليستوزره فسير اليه فاستوزره وركب اليه نظام الملك فهنأه بالوزارة في داره. وفيها وصل السلطان ومعه نظام الملك إلى بغداد وابتدأ نظام الملك والأمراء الكبار بعمل دور لهم يسكنونها إذا قدموا بغداد فلم تطل مدتهم بعدها وتفرق شملهم بالموت والقتل وغير ذلك في باقي سنتهم ولم تغن عنهم عساكرهم وما جمعوا شيئا فسبحان الدائم الذي لا يزول امره وفي آخر هذه السنة مرض نظام الملك ببغداد فعالج نفسه بالصدقة فكان يجتمع بمدرسته من الفقراء والمساكين من لا يحصى وتصدق عنه الأعيان والأمراء من عسكر السلطان فعوفي وأرسل له الخليفة خلعا نفيسة. وفيها توفي أبو طاهر عبد الرحمن بن محمد الفقيه الشافعي ومشى أرباب الدولة السلطانية كلهم في جنازته الا نظام الملك فإنه اعتذر بعلو السن وأكثر البكاء عليه.
مقتل نظام الملك
قال ابن الأثير قتل في سنة 485 عاشر رمضان بالقرب من نهاوند وكان هو والسلطان بأصبهان وقد عاد إلى بغداد فلما كان بهذا المكان بعد إفطاره خرج في محفته إلى خيمة حرمه فأتاه صبي ديلمي من الباطنية في صورة مستميح أو مستغيث فضربه بسكين كان معه فقضى عليه وهرب فعثر بطنب خيمة فأدركوه فقتلوه وبقي وزير السلطان ثلاثين سنة سوى ما وزر للسلطان ألب ارسلان صاحب خراسان أيام عمه طغرلبك قبل ان يتولى السلطنة وكان سبب قتله انه ولى حفيده عثمان رئاسة مرو وأرسل السلطان إليها شحنة من أكبر مماليكه فجرى بينه وبين عثمان منازعة فحملت عثمان حداثة سنة وطمعه بجدة على ان قبض عليه واهانه ثم أطلقه فشكى ذلك إلى السلطان فأرسل السلطان إلى نظام الملك رسالة مع جماعة من أرباب دولته يقول له ان كنت شريكي في الملك والسلطنة فلذلك حكم وان كنت نائبي فيجب ان تلزم حد التبعية والنيابة فهؤلاء أولادك قد استولى كل واحد منهم على ولاية كبيرة ولم يقنعهم ذلك حتى تجاوزوا امر السياسة ففعلوا كذا وكذا وأرسل معهم بعض خواصه وقال له تعرفني ما يقول فربما كتم هؤلاء شيئا فابلغوا نظام الملك الرسالة فقال لهم قولوا للسلطان ان كنت ما علمت اني شريكك في الملك فاعلم فانك ما نلت هذا الأمر الا بتدبيري أ ما يذكر حين قتل أبوه وقمعت الخوارج عليه من اهله وغيرهم فلما قدت الأمور اليه وفتحت له الأمصار اقبل يتجنى لي الذنوب ويسمع في السعايات قولوا له عني ان ثبات تلك القلنسوة معذوق بهذه الدواة ومتى أطبقت هذه زالت تلك وأشياء من هذا القبيل فلما خرجوا من عنده اتفقوا على كتمان ما قاله عن السلطان وان يقولوا له ما مضمونه العبودية والتنصل ومضى العين الذي معهم إلى السلطان فأعلمه ما جرى وبكروا إلى السلطان وهو ينتظرهم فقالوا له من الاعتذار ما كانوا اتفقوا عليه فقال بهم انه لم يقل هذا وانما قال كيت وكيت فأشاروا بكتمان ذلك رعاية لحق نظام الملك وسابقته فوقع التدبير عليه حتى تم عليه من القتل ما تم. ومات السلطان بعده بخمسة وثلاثين يوما فانحلت الدولة ووقع السيف وكان قول نظام الملك شبه الكرامة له اه. ويظهر من ذلك ان الصبي الباطني كان قد دسه السلطان لقتله وبذلك 169 صرح صاحب مختصر تاريخ آل سلجوق فإنه قال انه قتل غيلة بسكين ملحد ثم قال وكان ما جرى عليه من الاغتيال تجويزا من السلطان مضمرا وامرا مبيتا مدبرا.
مدائحه
قال علي بن الحسن الشهير بصردر يمدحه عن لسان بعض الرؤساء من قصيدة:
و من نظام الملك لي جنة | حصينة ما مثلها واقي |
نعم الحمى ان عرضت خطة | قد لفها الليل بسواق |
لا يهجم السخط على حلمه | ان عثر الأخمص بالساق |
و لا يهز الكبر اعطافه | وهو على طود العلا راق |
في لفظه والخط مندوحة | عن صارم الحدين ذلاق |
أبلج مصباح سنا نوره | لسنة البدر باشراق |
ذو بهجة غراء ميمونة | زينها ديباج أخلاق |
يحل ما يبديه من بشره | عقد لسان الهائب اللاقي |
أبوابه للوفد مفتوحة | كأنها أجفان عشاق |
مسافة العلياء ان اقصيت | فهو بها عمر بن براق |
و العيس عيس فإذا زرنه | فإنها أسباب أرزاق |
ليس يخيب الظن فيه ولا | يعود راجيه باخفاق |
اضحت صروف الدهر مامورة | للحسن القرم بن إسحاق |
أوامر تملؤها طاعة | أهل أقاليم وآفاق |
ما بين جيحون فقالي قلا | وبين اشام واعراق |
في كل يوم باراضي العدي | سجل دم بالطعن مهراق |
مثل بني الأصفر اودى بهم | أروع يردي كل مراق |
ذاق مليك الروم من صابها | ما لم يكن قبل بذواق |
و الشمس لا يمنعها بعدها | من فعل انماء وإحراق |
ومن مدحه من الشعراء طاهر بن الحسين أبو الوفاء البندنيجي الهمذاني قال ابن الأثير كان شاعرا أديبا وكان يمدح لا لعرض الدنيا ومدح نظام الملك بقصيدتين كل واحدة منهما تزيد على أربعين بيتا إحداهما ليس فيها نقطة والاخرى جميع حروفها منقوطة.
مراثيه
قال ابن الأثير وأكثر الشعراء من مراثيه فمن جيد ما قيل فيه قول شبل الدولة مقاتل بن عطية:
كان الوزير نظام الملك لؤلؤة | يتيمة صاغها الرحمن من شرف |
عزت فلم تعرف الأيام قيمتها | فردها غيرة منه إلى الصدف |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 5- ص: 165