الشيخ علي شرارة ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ أمين
الشيخ علي شرارة ابن الشيخ أحمد ابن الشيخ أمين
مدارس الحكومة فربى اجيالا من الناشئة مدة عشرين سنة انتقل فيها إلى عدة بلدان.
آثاره
كان له شعر كثير وأكثره في المناسبات في الرثاء أو في التهاني وله في غير ذلك فقد كانت تجري بينه وبين أدباء عصره محاورات تشتمل على طرائف ادبية ولكن فقد أكثره ولم نجد منه الا القليل وله منظومة شعرية في مستحباتالفقه. وإليك قسما من نظمه في الدور الأخير من حياته.
اضطرته الحياة لان يقيم بعيدا عن اهله فعاش مدة من الزمن وحيدا يقاسي الم الغربة وعناء البرد وقسوة الوحدة فأرسل لاحد أولاده هذه القصيدة التي يصف بها تلك الفترة:
القر في جيشه الجرار محتشد | و الريح عاصفة والثلج مطرد |
ملء الوهاد وهاتيك الهضاب وفي | أعلى الجبال جبال ما لها عدد |
كيف التفت تراه ابيضا يققا | كأنه الطهر لم يرتب به أحد |
لم يبق كوخا ولا بيتا وزاوية | الا وراح لها يعلو ويضطهد |
كأنما هو جيش ظافر حنق | يحتل ما شاء وهو الغاضب الحرد |
قد حل فينا حلول السقم في دنف | عنه أحبته والأهل قد بعدوا |
ولا صديق يواسيه ويؤنسه | و لا ولي حميم لا ولا عضد |
ولا طبيب نطاسي يعالجه | علاج ذي مقة يشفى به العمد |
والليل من طوله كالدهر ليس له | من آخر ونهاري كله صرد |
ولا سبيل إلى دفء أرد به | من ثورة البرد مهما رحت اجتهد |
لا فحم من حجر لا فحم من حطب | كلا الوقودين ممنوع ومفتقد |
مدثر بلحافي لا أفارقه | مزمل قابع في البيت منفرد |
لو لم أكن لصروف الدهر محتملا | و للخطوب لخان الصبر والجلد |
لكنني قط لم اضرع لنازله | و لا شكوت وان جل الذي أجد |
ما عدمت من الأقوام عاطفة | فالكل لي وزر والكل لي عضدد عضد |
هي الحياة سعيد ذا وذاك بها | اضحى شقيا وقد قل الالى سعدوا |
اين الالى ملكوا الدنيا باجعها بأجمعها | ورد هني وعيش كله رغد |
سرعان ما ارتحلوا عنها إلى حفر | و ما أفادهم مال ولا ولد |
كم حامل لشهادة ودماغه | صفر بغير حجى ولا أحلام |
بين العواطف والكمال وبينه | سد غدا في غاية الأحكام |
حسب الشهادة كل شيء فانثنى | و بنفسه حنق على الأيام |
وكجيبه عند الفضائل نفسه | في غاية الإفلاس والاعدام |
أخلاقه مرذولة وحديثه | ينبو عن الأسماع والافهام |
وإذا يكون بمجلس مع غيره | فكأنه صنم من الأصنام |
كالسلحفاة يمد فيه رأسه | و عن الكلام تراه في احجام |
وإذا تلكم قال: تلك شهادتي | في كل ناد تقتضي اكرامي |
حقنت دماء الماكرين اولي الغدر | و بالسر قد ناضلت عنهم وبالجهر |
مددتهم بالمال والجند والغذا | و اعتدة للحرب جلت عن الحصر |
ففي الهدنة الأولى حفظت حياتهم | و قد حلت بين العرب والفتح والنصر |
وكنت لهم مثل السموأل في الوفا | و مثل سنمار جزيت بلا وزر |
ولولاك كانت للمواضي نفوسهم | و أشلاؤهم للطير والوحش والنسر |
فكنت لهم يا برندوت دريئة | من الفتك والتنكيل والقتل والأسر |
قطعت المسافات الطوال لاجلهم | و ما من ثواب ترتجيه ولا أجر |
تطير إلى لبنان طورا وتارة | إلى ارض عمان وطورا إلى مصر |
وفي القدس ضيفا نازلا كنت عندهم | تبلغهم ما ذا حملت من الأمر |
أتيت ولم تضمر سوى الخير كله | لهم وهم لا يضمرون سوى الشر |
ولرب قائلة وفي أحشائها | ما بعضه يأتي على الأحشاء |
العلم عندك ما تقول وانه | عند الآلى تدعو لأكبر داء |
تدعو اليه بملء فيك مجاهرا | أو ما تحاذر سطوة الزعماء |
تدعو اليه وضدك القوم الالى | هم ساسة الأقطار والارجاء |
سادوا ولكن لا بفضل مناقب | و علا وحسن رعاية ووفاء |
بل جدهم والجهل فيك سما بهم | فخضعت طوع إشارة ونداء |
سل عنهم هل من نجيب فيهم | أو ماجد ذي غيرة وإباء |
هل من غيور تستجن به إذا | نابتك نائبة من الأسواء |
هيهات ما فيهم سوى متكبر | تقذى برؤيته عيون الرائي |
لو كان علم في البلاد لما غدت | نهبا تعيث بها يد الأهواء |
حمى ورد خدك ان يقتطف | بصدغك عقربه المنعطف |
ونبال لحظك لم يتخذ | سوى القلب من غرض أو هدف |
وقرقف ثغرك من دونه | حياض المنية للمرتشف |
وفرعك اما دجى ليله | فصبح محياك يجلو السدف |
طويت هواك ولكنه | له الدمع ينشر اما ذرف |
تحور علي ولا ذنب لي | سوى انني بك صب كلف |
فمن لغليلي وما ان يبل | بغير جنى ريقه لو عطف |
وغيداء قد زرتها والرقيب | بميل الكرى طرفه منطرف |
فحييت إذ جئت قالت الا | تراعي الوشاة ولما تخف |
فقلت أتيت وما ساهر | هناك وذا الليل مرخى السجف |
وقد قادني الشوق قسرا إلى | حماك وما عنه لي منصرف |
وعز اصطباري فلا صبر لي | و اني بكم لشديد الكلف |
فقالت وما ذا عسى ان يكون | و أنت الذي بالعفاف اتصف |
فقلت أجل غير ان الفؤاد | به ظما قاده للتلف |
فرحماك ان الغرام | على غير مغناك بي ما وقف |
فراضت فرحت وما أبتغيه | و بت المحكم في المرتشف |
انزه في حسنها ناظري | و من خدها ورده اقتطف |
فتبسم عن مثل نور اقاح | و تفتر عن برد مرتصف |
وقائلة لي اين الالى | بهم كنت ذا منعة أو كنف |
وفيهم ربوعك ماهولة | و شمل السرور بهم مؤتلف |
فقلت ناوا في طلاب العلى | و حلوا العراق وارض النجف |
منازل تهوى قلوب الورى | إليها وياوي العلى والشرف |
وكعبة فضل تحط الرحال | بساحتها خلفا عن سلف |
فيا معشرا كلهم عاكف | على الفضل من بحره يغترف |
لأنتم نجوم سماء الهدى | دياجي الخطوب بكم تنكشف |
عليك دما قد أرسلت عبراتها | شؤني عسى يطفي البكاء حسراتها |
وهيهات ما إرسالها الدمع نافع | و بالأمس قد واروا جلاء قذاتها |
وقفت برسم الدار وقفة منكر | معارفها والحزن عم جهاتها |
وقفت ولي بين الجوانح زفرة | تجف مياه الأرض من لفحاتها |
وقفت ونار الوجد تسعر بالحشا | و لي اضلع لفت على جمراتها |
وعهدي بها تزهو سرورا وبهجة | و تاوي إليها الناس في معضلاتها |
ولو نطقت قالت بمن ازدهي وقد | رمت واحد الأيام في مردياتها |
فلهفي على فتيانها كيف وجدهم | عليه ووا لهفي على فتياتها |
ويا وحشة الدنيا وكانت انيسة | و يا بؤس ما فيها وبؤس حياتها |
لقد فقدت منه الورى بدر هديها | و ملجا عانيها وغيث عفاتها |
له ذات قدس عز في الناس مثلها | بنفسي ما احلى وأعلى صفاتها |
إباء تقى زهدا عفافا ونائلا | و علما وحلما ذاك بعض سماتها |
أبا محسن تفديك نفسي وأنفس | ترى موتها أحرى بها من حياتها |
أ يهدأ قلبي ساعة من وجيبه | أ تألف اجفاني لذيذ سناتها |
وقد ضاقت الأرض الفضاء برحبها | على فما انفك رهن فلاتها |
بآية كف استجن واتقي الخطوب | إذا ما أقبلت بهناتها |
ومن ذا الذي ان ساورتني نكبة | من الدهر يوما كنت لي من وقاتها |
ومن لندوب في حشاي ممضة | عزيزة برء كنت لي من أسأتها |
أتيت فألفيت الأنام بغمرة | من الجهل حيري في دجى ظلماتها |
تتيه فلا تدري الطريق إلى الهدى | و تخبط لا تدري سبيل نجاتها |
فانقذتها من غمرة الغي والعمى | سريعا وقومت اعوجاج قناتها |
فكم شبه أوضحت كانت مزلة | فرحت مقيلا من أذى عثراتها |
وكم السن اخرستها بعد نطقها | و كم ارجل قصرت من خطواتها |
مضيت نقي الثوب غير مدنس | بشيء من الدنيا ولا تبعاتها |
رضيت بنزر العيش فيها قناعة | و بالغت بالاعراض عن طيباتها |
لقد كنت لا تاسو على فائت بها | و لا فرحا منها بأسنى هباتها |
ليهنك يا عبد الكريم نعيمها | بجنات عدن تجتني ثمراتها |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 291