القاضي أبو القاسم علي بن أبي الفهم
القاضي أبو القاسم علي بن أبي الفهم
هو والد القاضي أبي علي المحسن بن أبي القاسم علي صاحب كتاب الفرج بعد الشدة، والمترجم كان تلميذ المرتضي وهو الناقل إن كتب المرتضى كانت ثمانين ألفا سوى ما أهدى إلى الأمراء منها.
ولد بأنطاكية في ذي الحجة سنة 278 وتوفي في ربيع الأول سنة 342 بالبصرة ودفن بداره في المربد. وآل التنوخي من فضلاء الشيعة وأدبائها، وأحفاد القاضي مذكورون في كتب التراجم كعلي بن المحسن وغيره. ذكره ابن شهراشوب في معالم العلماء في شعراء أهل البيت المجاهرين.
كان قاضيا في البصرة والأهواز، ورد على سيف الدولة فأكرمه وكتب له إلى الخليفة ببغداد وكان عالما فاضلا مشاركا في العلوم حفظة يحفظ للطائيين سبعمائة قصيدة ويذاكر بعشرين ألف حديث وكان أديبا شاعرا، وله أشعار في مناقب أمير المؤمنين ع. قال صاحب الرياض: رأيت له في ذلك بخط محمد بن علي الجباعي جد البهائي.
شعره
قال:
وراح من الشمس مخلوقة | بدت لك في قدح من نهار |
إذا ما تأملتها وهي فيه | تأملت نورا محيطا بنار |
فهذي النهاية في الابيضاض | وهذي النهاية في الاحمرار |
هواء ولكنه جامد | وماء ولكنه غير جار |
كان المدير لها باليمين | إذا مال للسقي أو باليسار |
تدرع ثوبا من الياسمين | له فرد كم من الجلنار |
أبى الله إلا ما ترون فما لكم | غضابا على الأقدار يا آل طالب |
من ابن رسول الله وابن وصيه | إلى مدغل في عقدة الدين ناصب |
نشأ بين طنبور وزق ومزهر | وفي حجر شاد أو على صدر ضارب |
يعيب علينا خير من وطيء الحصى | وأكرم سار في الأنام وسارب |
ويزري على السبطين سبطي محمد | فقل في حضيض رام نيل الكواكب |
وينسب أفعال الفرامط كاذبا | إلى عترة الهادي الكرام الأطائب |
إلى معشر لا يسرح الذم بينهم | ولا تزدرى اعراضهم بالمعائب |
إذا ما انتدوا كانوا شموس نديهم | وإن ركبوا كانوا شموس المواكب |
وان سئلوا سحت سماء أكفهم | فاحيوا بميت المال ميت المطالب |
وان عبسوا يوم الوغى ضحك الردى | وإن ضحكوا أبكوا عيون النوائب |
نسبوا بين جبريل وبين محمد | وبين علي خير ماش وراكب |
وصي النبي المصطفى وصفيه | ومشبهه في شيمة وضرائب |
ومن قال في يوم الغدير محمد | وقد خاف من غدر العداة النواصب |
أما أنا أولي منكم بنفوسكم | فقالوا بلى قول المريب الموارب |
فقال لهم من كنت مولاه منكم | فهذا أخي مولاه بعدي وصاحبي |
أطيعوه طرا فهو عندي بمنزل | كهرون من موسى الكليم المخاطب |
فقولوا له إن كنت من آل هاشم | فما كل نجم في السماء بثاقب |
وانك إن خوفتنا منك كالذي | تخوف أسدا بالظباء الربارب |
وقلت بنو حرب كسوكم عمائما | من الضرب في الهامات حمر الذوائب |
صدقت منايانا السيوف وإنما | تموتون فوق الفرش مثل الكواعب |
أبونا القنا والمشرفية أمنا | وأخواننا جرد المذاكي الشوازب |
وما للغواني والوغى فتعوضوا | بقرع المثاني عن قراع الكتائب |
وقلت قتلنا عبد شمس فملكها | لنا سلب هل قاتل غير سالب |
فوا عجبا من حارب صار يدعي | مواريث خير الناس ملكا لحارب |
هو السلب المغصوب لا تملكونه | وهل سالب للغضب إلا كعاصب |
أ أنفال جدينا تحوزون دوننا | بزعمكم الأنفال يا للعجائب |
وهل لطليق شركة مع مهاجر | فلا تثبوا في الدين وثب المواثب |
أخو المرء دون العم يحوي ترانه | إذا قسم الميراث بين الأقارب |
وأولاده في محكم الذكر ما قروا | أحق وأولى من أخيه المناسب |
وقلت أبونا والد لمحمد | فأنتم بنوه دوننا في المراتب |
فلا تنس فالعباس كان وجدنا | أبو طالب مثلين عند التناسب |
وأدناهما من كان بالسيف دونه | يفل شبا سيف العدو المناصب |
وشتان من آوى وآسى بنفسه | ومزدلف يغزوه بين المقانب |
أبونا يقيه جاهدا وأبوكم | يجاهده بالمرهفات القواضب |
فنحن بنو عم لنا فوق مالكم | ونحن بنوه دونكم في المناسب |
دعيت عليا في الحكومة بينه | وبين ابن حرب والطغاة الأشائب |
فقد حكم المبعوث يوم قريظة | ولا عيب في فعل الرسول لعائب |
بنا نلتم ما نلتم من إمارة | فلا تظلموا فالظلم مر العواقب |
وكم مثل زيد قد أبادت سيوفكم | بلا سبب غير الظنون الكواذب |
أما حمل المنصور من أرض يثرب | نجوم هدى تجلو ظلام الغياهب |
لهم عند ذكر الله في الليل رنة | كرنتكم عند اسطفاف المضارب |
يتوجهم ظلما إذا أظلم الدجى | بكل رقيق الحد أبيض قاضب |
وقطعتم بالبغي يوم محمد | قرائن أرحام لنا وأقارب |
وجرعتم تحت التراب نبيكم | بكاسات ثكل لا تطيب لشارب |
قفوتم يزيدا في انتهاك حريمه | بكل معاد للإله محارب |
تعدونه فتحا ولو كان أحمد | لعدده من فادحات المصائب |
وفي أرض بأخمرى مصابيح قد ثوت | متربة الهامات حمر الترائب |
يغسلها هامي السحاب إذا هما | وتكفنها أيدي الصبا الجنائب |
وغادر هاديكم بفخ طوائفا | تهاداهم بالقاع بقع النواعب |
فيا لسيوف قللت بمغامد | ويا لأسود صرعت بثعالب |
وهارونكم أردى بغير جريرة | نجوم تقي مثل النجوم الثواقب |
ومأمونكم سم الرضا بعد بيعة | تؤد ذرى شم الجبال الرواسب |
فهل بعد هذا في البقية بيننا | بني عمنا والصلح رغبة راغب |
كذبتم وبيت الله أو تصدر الظبا | شوارب من هاماتكم والشوارب |
ولينا فولينا أباكم فخاننا | وكان بمال الله أول ذاهب |
وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه | فأبعد بمحجوب بحاجب حاجب |
ويوم حنين قال حزنا فخاره | ولو كان يدري عدها في المتالب |
وما واقف في حومة الحرب حائرا | وإن كان وسط الصف إلا كهارب |
وما شهد الهيجاء من كان حاضرا | إذا لم يطاعن قرنه ويضارب |
فهلا كما لاقي الوصي مصمما | يصعب بالهندي كبش العصائب |
ونحن حقنا بالفداء دماءكم | فلم تجحدونا حق تلك المواهب |
وعبت بعمينا أبانا سفاهة | وكم لك من عم عن الدين ناكب |
ومثل عقيل من علي وطالب | أبو لهب من بعدكم في التقارب |
ونحن أسرنا عمنا وأباكم | فبات بليل مفكهر الجوانب |
وقلتم أضعتم ثار زيد وكنتم | كسالى كذبتم لاهدى كل كاذب |
إما ثار فيه الطالبي ابن جعفر | فدكدك ركن الملك في كل جانب |
وأمطر في خوز وفي أرض فارس | سحائب موت ما طرات المصائب |
إلى إن رمته عاديات دعاتكم | بسهم اغتيال نافذ السهم صائب |
وقلت نهضنا شاهرين شفارنا | بثارات زيد الخير عند التجارب |
وما كان من حب لزيد وأهله | ولكنها تشغيبة من مشاغب |
دعوتم إلينا عالمين بأنكم | مكان الذنابي من ذرى ومناكب |
فهلا بإبراهيم كان شعاركم | فيرجع داعيكم بحلة خائب |
بنا نلتم ما نلتم من إمارة | فلا تظلموا فالظلم مر العواقب |
وكنا لكم في كل حال مناهلا | عذابا إذا يوردن خضر الجوانب |
فلما ملكتم كنتم بعد ذلة | أسودا علينا داميات المخالب |
فقل لبني العباس عم محمد | وعم علي صنوه في المناسب |
عزيز علينا إن تدب عقارب | إلى معشري الأدنى دبيب العقارب |
ولكن بدأتم فانتصرت فاقصروا | فليس جزاء الذنب مثل المعاقب |
وليس سواء ذم سيدة النساء | وسب رماد بالصفا والأخاشب |
وقد قال أصحاب النبي محمد | له قد هجانا مشركو آل غالب |
فقال لهم قولوا كمثل مقالهم | فما مبتد في الهجر مثل المجاوب |
فهذا جواب للذي قال ما لكم | غضابا على الأقدار يا آل طالب |
وله:
غنت قيان الطير في أرجائها | هزجا يقل له الثقيل الأول |
وتعانقت تلك الغصون فأذكرت | يوم الوداع وغيرهم يترجل |
ربع الربيع بها فحاكت كفه | حللا بها عقد الهوم تحلل |
فمدبج وموشح ومحبر | ومدمر ومقمر ومهلل |
فتخال ذا عينا وذا ثغرا وذا | خدا يعضض تارة ويقبل |
ورياض حاكت لهن الثريا | حللا كان غزلها للرعود |
نثر الغيث در دمع عليها | فتحلت مثل در العقود |
أقحوان معانق لشقيق | كثغور تعض ورد الخدود |
وعيون من نرجس تتراءى | كعيون موصولة التسهيد |
وكان الشقيق حين تبدأ | ظلمة الصدع في خدود الغيد |
وكان الندى عليها دموع | من جفون مفجوعة بفقيد |
أ ما ترى البرد قد وافت عساكره | وعسكر الحر كيف انصاع منطلقا |
فالأرض تحت ضريب الثلج تحسبها | قد ألبست حبكا أو عشبت ورقا |
عذب إذا ما عب فيه ناهل | فكأنه في ريق حب ينهل |
متسلسل وكأنه لصفائه | دمع بخدي كاعب يتسلسل |
وإذا الرياح جرين فوق متونه | فكأنه درع جلاها صيقل |
وكان دجلة إذ تغطمط موجها | ملك يعظم خيفة ويبجل |
عذبت فما ندري أماء ماؤها | عند المذاقة أم رحيق سلسل |
ولها بمد بعد جزر ذاهب | جيشان يدبر ذا وهذا يقبل |
وافى كتابك مثلما | وافى ليعقوب البشير |
وكأنما الإقبال جاء | أو الشفاء أو النشور |
وكأنما شرخ الشباب | وعيشه الغض النضير |
وافى وعير الليل وا | قفة الركاب فما تسير |
وأضاء لي من كل فج | منه فجر مستطير |
ورأيت أفلاك السرور | بكل ما أهوى تدور |
خط وقرطاس كأنهما | السوالف والشعور |
فكأنه ليل يموج | خلاله صبح منير |
وبدائع تدعو القلوب | تكاد من طرب تطير |
وكان السماء خيمة وشي | وكأنما الجوزاء فيها شراع |
وكان النجوم بين دجاها | سنن لاح بينهن ابتداع |
مشرقات كأنه حجاج | تقطع الخصم والظلام انقطاع |
وصالي شباب لا يليه مشيب | وسخطك داء ليس فيه طبيب |
كأنك من كل القلوب مركب | فأنت إلى كل النفوس حبيب |
خرجنا لنستسقي بيمن دعائه | وقد كاد هدب الغيم إن يلحق الأرضا |
فلما ابتدى يدعو تكشفت السما | فما تم إلا والغمام قد انقضا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 331