الشيخ موسى ابن الشيخ جواد سبيتي
الشيخ موسى ابن الشيخ جواد سبيتي
وقد وصفه بعد وفاته الشيخ محمد جواد مغنية فقال:
اما سره فهو روحه العلمية التي تنبض بالحركة والحياة، وتتطلع إلى النور أينما كان ويكون، وتنطلق على سجيتها متحررة من كل قيد لا يفرضه الدين ولا العقل، وان فرضته العادات والتقاليد.
السر هو جده الذي لا ينتهي إلى حد، وصبره الذي لا ينفذ على القراءة والاطلاع، السر هو وعيه وتقديره للعلم، وحرصه على ان يبقى مدة حياته متصلا بأسبابه، هو عداؤه للجهل، كأشد ما يكون العداء، وأصدقه وأعمقه، هو ايمانه بان المرء كلما ازداد معرفة كلما ازداد قوة وحياة في وجوده.
هو إنكاره لذاته، وزهده في المظاهر والمناصب وفي الألقاب، وفي كل شيء الا في المعرفة، لم يحاول الفقيد في يوم من الأيام ان يطور ويجدد مظهره وملبسه. ولكنه ناضل وجاهد، ليطور عقله، ويجدد نفسه، ويوسع من آفاقه.. كان يسكن غرفة أشبه بكوخ، أما محتوياتها فمن مخلفات الماضي البعيد، وفيها كان يقرأ ويطالع، ويفكر ويكتب، ثم ينطلق منها مزودا بطاقته وخياله يجوب الماضي والحاضر والمستقبل.. انه شيخ بملبسه ومسكنه ومأكله ولكنه بعقله وروحه أكثر شبابا من الشباب.
وتقدما من أولئك التقدميين.
وبعد، فلو ان فنانا، ناقدا، ومحللا صدر تفكير الشيخ موسى، وأسلوبه في الحياة لرأى أهل الاختصاص في شخصيته نموذجا يستقل به عن حياة زملائه وأنداده الذين عاشوا في عصره وعاش في عصرهم، تماما كديجون صاحب المصباح الذي لم يشبه أحدا، ولم يشبه أحد من فلاسفة اليونان.
وليس من غرض هذه الكلمة ان تترجم، أو تؤرخ للفقيد، وانما القصد ان تشير إلى ناحية واحدة من مناحي حياته وشخصيته، وهذه الناحية هي التي أبرزته وميزته، وزودته بآلة يستقي بها من الأعمال، ويحلق بها في الأجواء، ويسير بها عبر البحار والقفار.. وهي حبه للقراءة، وبذله الجهد الجهيد لها. لقد كانت القراءة في مفهومه ضربا من الحاجة، لا للتسلية وقتل الوقت، وفرضا يحتمه التفهم للحياة والمشكلات.
وقد كانت الكلمة المكتوبة عنده أغلى من الذهب الإبريز، وأهم همومه، حتى في أيامه الثقال الشداد هنا وفي النجف، بل لم يكن له هم سواها، وكاني به إذا تراكمت عليه المشكلات، وانسدت طرق الحل لجا إلى الكتاب، فإذا اخذه بيده ذهل عن كل شيء حتى عن نفسه
مؤلفاته
من مؤلفاته المطبوعة: كيف تفهم الإسلام، المدينة الفاضلة عند العرب، أخلاق آل محمد، على فوق الفلاسفة، الأديان في الميزان، تاريخ الأنبياء.
شعره
من شعره قوله:
صور تروعك للجمال الشيق | يا قلب خفف من جماحك واتق |
بسمت لك الأزهار في ضحواتها | عن كل فاتنة بوجه مشرق |
قالوا تصابى قلت اي نقيصة | ما اسمج الدنيا لمن لم يعشق |
أهوى الجمال ولا أشين بهاءه | ما كل ظمآن الفؤاد بمستق |
يهوى الجمال ولا يخاف ملامة | قلب يخف إلى الجمال المطلق |
كن كيف شئت معذبا أو منعما | بك لا سواك صبابتي وتعلق |
جمحت بي النزوات حتى خلتها | قذفت بقلبي بالضلام المطبق |
وافقت لا كاس لدي قريبة | كلا ولا ذاك الطلا بمعتق |
اتت أنت الكذوب حقيقة ان لم تكن | ببديع ذاك الحسن لم تستغرق |
ما ان شكوت ولا بكيت صبابة | فانا السعيد من الغرام بما شقي |
سهدي ودمعي والصبابة كلها | كانت اداة نباهتي وتالقي |
ذكريات الصبا وروح النسيم | هيجا بعض وجدي المكتوم |
ليت شعري بليت بالحب وحدي | أم فؤادي مكون من هموم |
اشرب الراح في غرامك صرفا | بين زهر الدين وزهر النجوم |
وكئوس الغرام أعظم فتكا | باولي الحلم من كئوس النديم |
فمزاج الخمور ماء وكرم.. | ومزاج الرضاب من تسنيم |
سلب القلب خلسة واقتدارا | بمحيا زاه وصوت رخيم |
يا واهبا للروض منك بشاشة | هب للعباد بشاشة الأوراد |
لأرى الوجوه منيرة وقلوبهم | فرغى من الأوغاد والأحقاد |
ان تنتج الازهار من.. الهوى | كان النسيم لهن بالمرصاد |
حتى الازاهر قد يلين بحسد | اقذى الإله نواظر الحساد |
وتألف الأحباب أجمل موضعا | من كل غنم طارف وقلاد |
أيها الهاجرون رفقا بصب | دهره بين عبرة وزفير |
ان مللتم لقاءنا فاذكرونا | لا يعاف الميسور للمعسور |
أيها الآسرون قلبي مهلا | يجمل العطف بالموتى الأسير |
وكان الرياض حولي سماء | زينت في كواكب من زهور |
وكان السماء حولي رياض | زاهيات باقحوان نضير |
صفوة العيش قد تجلت عيانا | بين صدق الهوى وصفو الضمير |
وناظرة لنا بخفي طرف | تسوتى بلحضها بلحظها الأجل المتاحا |
خفضت لعز حسنكم جناحي | ولو لا الحب لم اخفض جناحا |
أبيت الذل الا في هواكم | اراوحه اغتباقا واصطباحا |
من الآلام لي كاس دهاق | إذا ما عاقر اللاهون راحا |
على مضض الخطوب بنا ابتسام | يجلل أوجها منا صياحا |
فلا الأحباب تشجى إذ ترانا | ولا حسادنا تجد ارتياحا |
وأعذب ما قد ذقت من ثمر الهوى | حديث عتاب من مشوق وشائق |
يقولون عشقا يهلك المرء نفسه | وهل خلدت نفس امرئ غير عاشق |
إذا ما صحى اللاهون من سكرة الهوى | فقلبك من خمر الصبابة نشوان |
فلا تبتئس من نبوة لخل ان جفا | فان حياة الحب وصل وهجران |
واقتل الدمع ما تبكي النفوس به | لا ما ترقرقه الأجفان والحدق |
ان النفوس لتطغى في عواطفها | ما لم يقف دونها الوجدان والخلق |
وهل (الخواشي) من أصول الدين | لتسوق خالقها إلى سجين |
حسبي من التقليد اني مقتد | بضعيف عقل أو قوي جنون |
يهذي بأقوال ويحسب انها | آراء سقراط وأفلاطون |
تخذوا العمامة حرفة وحلت بها | لذات عيش هانئ مضمون |
بسمة الفجر وائتلاف الغدير | بعثتها ضمامة من زهور |
حبست زينب وليلى وسعدى | وسليمى في هالة من نور |
مظهر للجلال مهبط وحي | صورة للملاك لطف شعور |
سكنت والجمال يعلن عنها | فتنة العقل سكرة المخمور |
أرسلت من حديثها نغمات | أسمعتنا بهن سجع الطيور |
بعثت في الصدور لوعة وجد | عرفتها من نفثة المصدور |
هن حورا يمشين في الأرض زهوا | أو خيال من ناظر مسحور |
جاء شعري بهن يعبق طيبا | فضلة من اريجها والعبير |
منظر يسلب العقول وموسى | خر للحسن صاعقا في الطور |
سار شعري بهن لحنا بديعا | رجعته الأيام عبر الدهور |
عزف الحب على قيثاره | فهفا قلبي لجس الوتر |
أ تصفوني في هواكم فلقد | خانني في الحب حتى معشري |
يا احبائي أعيدوا نظرة | ما عيان المرء مثل الخبر |
فلكم كفن من اكذوبة | كاشح يسعى وواشي يفتري |
يا احبائي وعندي صبوة | أرعشت كفي واعشت بصري |
ليت شعري كل... الهوى | خصني من دون هذا البشر |
شاعر لكن بما أوتيتم | ما حياة المرء ان لم يشعر |
وهبوني كنت أجرمت فقد | تقبل الاعذار من معتذر |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 10- ص: 180