الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي
الإمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي
علامة العلماء والبحر الذي | لا ينتهي ولكل بحر ساحل |
ما دار في الحنك اللسان وقلبت | قلما بأحسن من ثناه أنامل |
وكان شديد الحرص جدا في العلوم الشرعية والحكمة اجتمع له خمسة أشياء ما جمعها الله لغيره فيما علمته من أمثاله وهي سعة العبارة في القدرة على الكلام وصحة الذهن والاطلاع الذي ما عليه مزيد والحافظة المستوعبة والذاكرة التي تعينه على ما يريده في تقرير الأدلة والبراهين، وكان فيه قوة جدلية ونظره دقيق، وكان عارفا بالأدب له شعر بالعربي ليس في الطبقة العليا ولا السفلى وشعر بالفارسي لعله يكون فيه مجيدا.
وكان عبل البدن ربع القامة كبير اللحية في صورته فخامة. كانوا يقصدونه من أطراف البلاد على اختلاف مقاصدهم في العلوم وتفننهم فكان كل منهم يجد عنده النهاية فيما يرومه منه.
قرأ الحكمة على المجد الجبلي والجيلي من كبار الحكماء وقرأ بعد والده على الكمال السمناني وقيل على الطبسي صاحب الحائز في علم الروحاني والله أعلم.
وله تصانيف ورزق الإمام فخر الدين السعادة العظمى في تصانيفه وانتشرت في الآفاق وأقبل الناس على الاشتغال بها ورفضوا كتب الأقدمين وكان في الوعظ باللسانين مرتبة عليا وكان يلحقه الوجد حال وعظه ويحضر مجلسه أرباب المقالات والمذاهب ويسألونه ورجع بسببه خلق كثير من الكرامية وغيرهم إلى مذهب السنة وكان يلقب بهراة شيخ الإسلام. يقال أنه حفظ الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين.
قصد خوارزم وقد تمهر فجرى بينه وبين أهلها كلام فيما يرجع إلى العقيدة فأخرج من البلد، وقصد ما وراء النهر فجرى له أيضا ما جرى بخوارزم، فعاد إلى الري وكان بها طبيب حاذق له ثروة وله بنتان فزوجهما بابني فخر الدين ومات الطبيب فاستولى على جميع نعمته ومن ثم كانت له النعمة، ولما وصل السلطان شهاب الدين الغوري صاحب غزنة بالغ في إكرامه وحصلت له أموال عظيمة منه، وعاد إلى خراسان واتصل بالسلطان خوارزم شاه محمد بن تكش وحظي عنده وأظنه توجه رسولا منه إلى الهند.
وهو أول من اخترع هذا الترتيب في كتبه وأتى فيها بما لم يسبق إليه لأنه يذكر المسألة ويفتح باب تقسيمها وقسمة فروع ذلك التقسيم ويستدل بأدلة السبر والتقسيم فلا يشذ منه عن تلك المسألة فرع لها بها علاقة فانضبطت له القواعد وانحصرت معه المسائل، وكان ينال من الكرامية وينالون منه.
نقلت من خط الفاضل علاء الدين الوداعي من تذكرته أن الإمام فخر الدين الرازي رحمه الله كان يعظ الناس على عادة مشايخ العجم وأن الحنابلة كانوا يكتبون له قصصا تتضمن شتمه ولعنه وغير ذلك من القبيح، فاتفق أنهم رفعوا إليه يوما قصة يقولون فيها أن ابنه يفسق ويزني وأن امرأته كذلك فلما قرأها قال: هذه القصة تتضمن أن ابني يفسق ويزني وذلك مظنة الشباب فإنه شعبة من الجنون ونرجو الله تعالى إصلاحه والتوبة، وأما امرأتي فهذا شأن النساء إلا من عصمه الله تعالى وأنا شيخ ما في للنساء مستمتع هذا كلها يمكن وقوعه، وأما أنا فوالله لا قلت أن البارئ سبحانه وتعالى جسم ولا شبهته بخلقه ولا حيزته انتهى.
ذكرت هنا ما يحكى من أنه رفع لبعض الوعاظ ممن يحسده ورقة فيها: إن زوجتك تزني هي وبناتك وأولادك يفسقون ويفعلون ويصنعون، وأشياء من هذه المادة فقرأها في نفسه وقال: يا جماعة هذه الورقة فيها سب أهل البيت وذمهم العنوا من كتبها! فقال الناس كلهم: لعنه الله.
ولما توفي الإمام فخر الدين بهراة في دار السلطنة يوم عيد الفطر سنة ست وست مائة كان قد أملى رسالة على تلميذه ومصاحبه إبراهيم بن أبي بكر بن علي الأصبهاني تدل على حسن عقيدته وظنه بكرم الله تعالى ومقصده بتصانيفه والرسالة مشهورة ولولا خوف الإطالة لذكرتها ولكن منها:
وأقول: ديني متابعة سيد المرسلين، وقائد الأولين والآخرين إلى حظائر قدس رب العالمين، وكتابي هو القرآن العظيم وتعويلي في طلب الدين عليهما، اللهم يا سامع الأصوات. ويا مجيب الدعوات، ويا مقيل العثرات، ويا راحم العبرات، ويا قيام المحدثات والممكنات، أنا كنت حسن الظن بك، عظيم الرجاء في رحمتك، وأنت قلت ’’أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا’’، وأنت قلت {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} وأنت قلت {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}، فهب أني جئت بشيء فأنت الغني الكريم، وأنا المحتاج اللئيم، وأعلم أنه ليس لي أحد سواك، ولا أحد كريم سواك، ولا أحد محسن سواك، وأنا معترف بالزلة والقصور، والعيب والفتور، فلا تخيب رجائي، ولا ترد دعائي، واجعلني آمنا من عذابك قبل الموت، وعند الموت، وبعد الموت، وسهل علي سكرات الموت، وخفض عني نزول الموت، ولا تضيق علي سبب الآلام والسقام فإنك أرحم الراحمين.
ثم قال في آخرها:
واحملوني إلى الجبل المصاقب لقرية مزداخان وادفنوني هناك وإذا وضعتموني في اللحد فاقرؤوا علي ما تقدرون عليه من آيات القرآن العظيم ثم ردوا علي التراب بالمساحي وبعد إتمام ذلك قولوا مبتهلين إلى الله مستقبلين القبلة على هيئة المساكين المحتاجين: يا كريم، يا كريم، يا عالما بحال هذا الفقير المحتاج، أحسن إليه، واعطف عليه، فأنت أكرم الأكرمين، وأنت أرحم الراحمين، وأنت الفعال به وبغيره ما تشاء، فافعل به ما أنت أهله، فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة انتهى.
قلت: ومن وقف على هذه الألفاظ علم ما كان عليه هذا الإمام من صحة الاعتقاد ويقين الدين واتباع الشريعة المطهرة.
صلوة وتسليم وروح وراحة | عليه وممدود من الظل سجسج |
هذا أمر قطعي فانظر إلى هذه الحجة ما أقواها وأوضحها وأجلاها كيف تهدم ما بنوه وتدكدك ما شيدوه وعلوه، وما رأيت أحدا يقول إذا عابه غير ذلك ولم يأت بشيء من عنده حتى يقول كان ينبغي أن نجيب عن كذا وكذا فيكون قد استدرك ما أهمله وأغفله والأعمال بالنيات.
ولما مات الإمام فخر الدين خلف ثمانين ألف دينار سوى الدواب والعقار وغير ذلك، وخلف ولدين الأكبر منهما تجند في حياة أبيه وخدم خوارزم شاه والآخر اشتغل ولم نعلم له ترجمة وأظنه الذي صنف له الأربعين في أصول الدين لكنه قال: لأكبر أولادي محمد، والله أعلم.
وكان الإمام في أيامه له صورة كبيرة وجلالة وافرة وعظمة زائدة.
ذكر ابن مسدي في معجمه عن ابن عنين رحمه الله يقول سمعت أبا المحاسن محمد بن نصر الله ابن عنين رحمه الله يقول: كنت بخراسان في مجلس الفخر الرازي إذ أقبلت حمامة يتبعها جارح فسقطت في حجر الرازي وعاذت به وهو على منبره فقمت وأنشدت بديها:
يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا | في كل مسغبة وثلج خاشف |
والعاصمين إذا النفوس تطايرت | بين الصوارم والوشيج الراعف |
من نبأ الورقاء أن محلكم | حرم وأنك ملجأ للخائف |
وافت إليك وقد تدانى حتفها | فحبوتها ببقائها المستأنف |
ولو أنها تحبى بمال لانثنت | من راحتيك بنائل متضاعف |
جاءت سليمان الزمان حمامة | والموت يلمع من جناحي خاطف |
واقترح الإمام عليه قصيدة في كل كلمة منها سين فنظمها ابن عنين وأولها:
مرسى السيادة سنة سيفية | محروسة مسعودة التأسيس |
حيى محل الحاجبية بالحمى | والسفح سيح مدلح سحاح |
من دوحة فخرية عمرية | طابت مغارس مجدها المتأثل |
مكية الأنساب زاك أصلها | وفروعها فوق السماك الأعزل |
بحرا تصدر للعلوم ومن رأى | بحرا تصدر قبله في محفل |
ومشمرا في الدين يسحب للتقى | والدين سربال العفاف المسبل |
ماتت به بدع تمادى عمرها | قهرا وكاد ظلامها لا ينجلي |
فعلا به الإسلام أرفع هضبة | ورسا سواه في الحضيض الأسفل |
غلط امرؤ بأبي علي قاسه | هيهات قصر عن مداه أبو علي |
لو أن رسطاليس يسمع لفظة | من لفظه لعرته هزة أفكل |
ولحار بطليموس لو لاقاه من | برهانه في كل شكل مشكل |
فلو أنهم جمعوا لديه تيقنوا | أن الفضيلة لم تكن للأول |
وحكى لي بعض الأفاضل أن بعض الملوك -أنسيته- سأله أن يضع له شيئا في الأصول يقرأه فقال له: بشرط أنك تحضر إلى درسي وتقرأه علي، فقال: نعم وأزيدك على هذا، فوضع له المحصل قال الحاكي والعهدة عليه في ذلك: أن السلطان كان يجيء ويقف ويأخذ مداسه يعني مداس الإمام ويحمله في كمه ويسمع الدرس في الكتاب، قلت: إذا كان السلطان كذلك كيف لا يرغب أهل العلم ويزادون نشاطا ويجتهدون في طلب الغايات. وقال لي يوما الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس: ما أعجب إلا من فخر الدين كونه وضع تفسيرا أنت من أين والتفسير من أين كما أعجب من تقي الدين ابن تيمية كونه يرد على فخر الدين وابن سينا، فقلت له: ما القياس صحيحا ولا المسألتان متقابلتين لأن الإمام إذا عمل تفسيرا يحسن أن يقول قال فلان كذا وقال فلان كذا فينقل أقوال المفسرين ولكن إذا أخذ الآية وذكر أدلة الشافعية منها وأدلة الحنفية منها وبحث بين الفريقين من هو الذي يجري معه في ذلك الميدان وإن كان الشيخ تقي الدين أقعد بعلم الرواية.
وقلت يوما للشيخ الإمام العلامة قاضي القضاة أبي الحسن علي السبكي: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية وقد ذكر تفسير الإمام: فيه كل شيء إلا التفسير، فقال قاضي القضاة: ما الأمر كذا إنما فيه مع التفسير كل شيء انتهى.
ومن تصانيف الإمام رحمه الله تعالى: التفسير الذي له وهو في ستة وعشرين مجلدا ذكر تفسير الفاتحة منه في مجلدة وهو على تجزئة الفاتحة في أكثر من ثلاثين مجلدا وأكمل التفسير على المنبر إملاء تفسير سورة البقرة على الوجه العقلي لا النقلي أسرار التنزيل وأخبار التأويل نهاية العقول في أصول الدين يكون في أربع مجلدات المطالب العالية في الأصول أيضا في أربعة كبار كتاب الأربعين في مجلدة كبيرة المحصل مجلدة كتاب الخمسين صغير المعالم في أصول الدين والفقه الخلق والبعث مجلدة تأسيس التقديس مجلدة البيان والبرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان المحصول في أصول الفقه في مجلدين المنتخب في أصول الفقه مجلدة النهاية البهائية في المباحث القياسية أجوبة المسائل النجارية الطريقة العلائية في الخلاف أربع مجلدات شرح أسماء الله الحسنى إبطال القياس الملل والنحل المباحث العمادية في المطالب المعادية تحصيل الحق عيون المسائل إرشاد النظار إلى لطائف الأسرار فضائل الصحابة القضاء والقدر ذم الدنيا نفثة المصدور إحكام الأحكام الرياض المؤنقة عصمة الأنبياء تعجيز الفلاسفة بالفارسي الأخلاق اللطائف الغياثية الرسالة الكمالية في الحقائق الإلهية بالفارسي عربها تاج الدين الأرموي رسالة الجوهر الفرد الآيات البينات في المنطق ترجيح مذهب الشافعي وأخباره شرح أبيات الشافعي الأربعة التي أولها: وما شئت كان وإن لم أشأ أظنه كتاب القضاء والقدر الزبدة نهاية الإيجاز اختصار دلائل الإعجاز المحرر في النحو قطعة من شرح الوجيز شرح المفصل لم يتمه شرح ديوان المتنبي شرح سقط الزند لباب الإشارات شرح الإشارات الإشارات له أيضا شرح نهج البلاغة ولم يتم الحكمة المشرقية تكون في ثلاثة المختص تكون في مجلدين شرح كليات القانون الطب الكبير ولم يتم عيون الحكمة مصادرات إقليدس التشريح ولم يتم النبض الاختيارات السماوية السر المكتوم في علم الطلاسم والنجوم منتخب درج تنكلوشا وقيل أنه شرحها رسالة في النبوات رسالة في النفس مباحث الوجود مباحث الحدود رسالة في التنبيه على الأسرار المودعة في بعض سور القرآن.
وكان الشيخ ركن الدين ابن القوبع يقول أنه شرح الشفاء وإن كان هذا صحيحا فأقل ما يكون في خمس وعشرين مجلدة. رأيت بعضهم قد كتب على كتاب المحصل الذي للإمام فخر الدين بيتين وهما:
محصل في أصول الدين حاصله | من بعد تحصيله أصل بلا دين |
بحر الضلالات والشك المبين وما | فيه فأكثره وحي الشياطين |
عميت عن فهم ما ضمت مسائله | ونورها قد تجلى بالبراهين |
فملت عجزا إلى التقليد وهو متى | حققت لم تلق أمرا غير مظنون |
والناس أعداء ما لم يعرفوه فلا | بدع إذا قلت ذا وحي الشياطين |
علم الأصول بفخر الدين منتصر | به نصول بإعجاب وإعجاز |
أضحت به السنة الغراء واضحة | قد استقامت لمختار ومجتاز |
له مباحث كم قد أحرقت شبها | بشهبها فمن الزاري على الرازي |
قد كنت يا ابن خطيب الري معجزة | بذهنك المشرق الخالي من الكدر |
دخلت في كل علم للأنام وقد | حررته بدقيق الفكر والنظر |
إذا انتصرت لرأي أو لمسألة | ترجحت لأولي الألباب والفكر |
وكل علم لك الفصل المبين به | فأنت حقا جمال الكتب والسير |
المرء ما دام حيا يستهان به | ويعظم الرزء فيه حين يفتقد |
فلو قنعت نفسي بميسور بلغة | لما سبقت في المكرمات رجالها |
ولو كانت الدنيا مناسبة لها | لما استحقرت نقصانها وكمالها |
ولا أرمق الدنيا بعين كرامة | ولا أتوقى سوءها واختلالها |
وذاك لأني عارف بفنائها | ومستيقن ترحالها وانحلالها |
أروم أمورا يصغر الدهر عندها | وتستعظم الأفلاك طرا وصالها |
أرواحنا ليس ندري أين مذهبها | وفي التراب توارى هذه الجثث |
كون يرى وفساد جاء يتبعه | والله يعلم ما في خلقه عبث |
نهاية إقدام العقول عقال | وأكثر سعي العالمين ضلال |
وأرواحنا في وحشة من جسومنا | وحاصل دنيانا ردى ووبال |
ولم نستفد من بحثنا طول دهرنا | سوى أن جمعنا فيه قلت وقالوا |
وكم قد رأينا من رجال ودولة | فبادوا جميعا مسرعين وزالوا |
وكم من جبال قد علت شرفاتها | وعال فزالت والجبال جبال |
يا طالب التوحيد والإيمان | أبشر بكل كرامة وأمان |
واعلم بأن أجل أبواب الهدى | تقرير دين الله بالبرهان |
إن بالمشرق فينا | جبل العلم ابن سينا |
فدع المغرب يذكر | ذرة من طور سينا |
اعلما علما يقينا | أن رب العالمينا |
لو قضى في عالميهم | خدمة للعالمينا |
خدم الرازي فخرا | خدمة العبد ابن سينا |
قد تركنا قد نسينا | حكمة الشيخ ابن سينا |
حين شاهدنا عيانا | حكمة الرازي فينا |
نحن قد بعنا حصاة | واشترينا طور سينا |
نحن بالجهل ابتلينا | نحن بالحمق رمينا |
نحن قضينا زمانا | في تصانيف ابن سينا |
ثم صرنا آمنينا | عن مقال الطاعنينا |
حين طالعنا كلاما | يشبه الدر الثمينا |
صاغه الرازي فينا | كاملا فخما مبينا |
رب فاجعله بحال | يشبه الروح الآمنينا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 4- ص: 0
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 9- ص: 0