ناصح الدين الأرجاني
ناصح الدين الأرجاني
ومن النوائب أنني | في مثل هذا الشغل نائب |
ومن العجائب أن لي | صبرا على هذي العجائب |
أنا أفقه الشعراء غير مدافع | في العصر لا بل أشعر الفقهاء |
رثى لي وقد ساويته في نحوله | خيالي لما لم يكن لي راحم |
فدلس بي حتى طرقت مكانه | وأوهمت إلفي أنه بي حالم |
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة | أنا ساهر في جفنه وهو نائم |
أحب المرء ظاهره جميل | لصاحبه وباطنه سليم |
مودته تدوم لكل هول | وهل كل مودته تدوم |
سهام نواظر تصمي الرمايا | وهن من الحواجب في حنايا |
ومن عجب سهام لم تفارق | حناياها وقد أصمت حشايا |
نهيتك أن تناضلها فإني | رميت فلم يصب سهمي سوايا |
جعلت طليعتي طرفي سفاها | فدل على مقاتلي الخفايا |
وهل يحمى حريم من عدو | إذا ما الجيش خانته الرمايا |
ويوم عرضت جيش الصبر حتى | أشن به على وجدي سرايا |
هززن من القدود لنا رماحا | فخلينا القلوب لها درايا |
وأبكى العين شتى من عيون | فكان سوى مدامعي البكايا |
ولي نفس إذا ما امتد شوقا | أطار القلب من حرق شظايا |
ودمع ينصر الواشين ظلما | ويظهر من سرائري الخبايا |
ومحتكم على العشاق جورا | وأين من الدمى عدل القضايا |
يريك بوجنتيه الورد غضا | ونور الأقحوان من الثنايا |
تأمل منه تحت الصدغ خالا | لتلعم كم خبايا في الزوايا |
ولا تلم المتيم في هواه | فلوم العاشقين من الخطايا |
خطبت وصاله الممنوع حتى | أثرت به على قلبي بلايا |
فأرق مقلتي وجدا وشوقا | وعذب مهجتي هجرا ونايا |
وأتعب سائري إذ رق قلبي | وفي ضعف الملوك أذى الرعايا |
تغنم صحبتي يا صاح إني | نزعت عن الصبا إلا بقايا |
وخالف من تنسك من رجال | لقوك بأكبد الإبل الأبايا |
ولا تسلك سوى طرقي فإني | أنا ابن جلا وطلاع الثنايا |
وقم نأخذ من اللذات حظا | فإنا سوف تدركنا المنايا |
وساعد زمرة ركنوا إليها | فآبوا بالنهاب وبالسبايا |
وأهد إلى الوزير المدح يجعل | لك المرباع منها والصفايا |
وقل للسائرين إلى ذراه | ألستم خير من ركب المطايا |
نمت بأسرار ليل كان يخفيها | وأطلعت قلبها للناس من فيها |
قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن | إلا ترقيه نارا في تراقيها |
سفيهة لم يزل طول اللسان لها | في الحي يجني عليها صرف هاديها |
غريقة في دموع وهي تحرقها | أنفاسها بدوام من تلظيها |
تنفست نفس المهجورة ادكرت | عهد الخليط فبات الوجد يبكيها |
يخشى عليها الردى مهما ألم بها | نسيم ريح إذا وافى يحييها |
بدت كنجم هوى في إثر عفرية | في الأرض فاشتعلت منه نواصيها |
كأنها غرة قد سال شادخها | في وجه دهماء يزهاها تجليها |
أو ضرة خلقت للشمس حاسدة | فكلما حجبت قامت تحاكيها |
وحيدة بشباة الرمح هازمة | عساكر الليل إن حلت بواديها |
ما طنبت قط في أرض مخيمة | إلا وأقمر للأبصار داجيها |
لها غرائب تبدو من محاسنها | إذا تفكرت يوما في معانيها |
فالوجنة الورد إلا في تناولها | والقامة الغصن إلا في تثنيها |
قد أثمرت وردة حمراء طالعة | تجني على الأكف إن أهويت تجنيها |
ورد تشابك به الأيدي إذا قطفت | وما على غصنها شوك يوقيها |
صفر غلائلها حمر عمائمها | سود ذوائبها بيض لياليها |
كصعدة في حشا الظلماء طاعنة | تسقي أسافلها ريا أعاليها |
كلوءة الليل مهما أقبلت ظلم | أمست لها ظلم للصحب تذكيها |
وصيفة لست منها قاضيا وطرا | إن أنت لم تكسها تاجا يحليها |
صفراء هندية في اللون إن نعتت | والقد واللين إن أتممت تشبيها |
فالهند تقتل بالنيران أنفسها | وعندها أن ذاك القتل يحييها |
ما إن تزال تبيت الليل لاهية | وما بها علة في الصدر تظميها |
تحيي الليالي نورا وهي تقتلها | بئس الجزاء لعمر الله تجزيها |
ورهاء لم يبد للأبصار لابسها | يوما ولم يحتجب عنهن غاديها |
قد كقد قميص قد تبطنها | ولم يقدر عليها الثوب كاسيها |
غراء فرعاء لا تنفك فالية | تقص لمتها طورا وتفليها |
شيباء شعثاء لا تكسى غدائرها | لون الشبيبة إلا حين تبليها |
قناة ظلماء ما ينفك يأكلها | سنانها طول طعن أو يشظيها |
مفتوحة العين تفني ليلها سهرا | نعم وإفناؤها إياه يفنيها |
وربما نال من أطرافها مرض | لم يشف منه بغير القطع مشفيها |
ويلمها في ظلام الليل مسعدة | إذا الهموم دعت قلبي دواعيها |
لولا اختلاف طباعينا بواحدة | وللطباع اختلاف في مبانيها |
بأنها في سواد الليل مظهرة | تلك التي في سواد القلب أخفيها |
وبيننا عبرات إن هم نظروا | غيضتها خوف واش وهي تجريها |
وما بها موهنا لو أنها شكرت | ما بي من الحرق اللاتي أقاسيها |
ما عاندتها في الليالي في مطالبها | ولا عدتها العوادي في مباغيها |
ولا رمتها ببعد من أحبتها | كما رمتني وقرب من أعاديها |
ولا تكابد حسادا أكابدها | ولا تداجي بني دهر أداجيها |
ولا تشكى المطايا طول رحلتها | ولا لأرجلها طرد بأيديها |
إلى مقاصد لم تبلغ أدانيها | مع كثرة السعي فضلا عن أقاصيها |
فليهنها أنها باتت ولا هممي | ولا همومي تعنيها وتعنيها |
أبدت إلي ابتساما في خلال بكا | وعبرتي أنا محض الحزن يمريها |
فقلت في جنح ليل وهي واقفة | ونحن في حضرة جلت أياديها |
لو أنها علمت في قرب من نصبت | من الورى لثنت أعطافها تيها |
وخبرت أنها لا الحزن خامرها | بل فرحة النفس أبكاها تناهيها |
وأنها قدمت في حيث غرته | تهدي سناها فزادت في تلاليها |
ومنه قوله:
تقول للبدر في الظلماء طلعته | بأي وجه إذا أقبلت تلقاني |
وجه السما لي مرآة أطالعها | والبدر وهنا خيالا فيه لاقاني |
لم أنسه يوم أبكاني وأضحكه | وقوفنا حيث أرعاه ويرعاني |
كل رأى نفسه في عين صاحبه | فالحسن أضحكه والحزن أبكاني |
تمتعتما يا ناظري بنظرة | وأوردتما قلبي أشر الموارد |
أعيني كفا عن فؤادي فإنه | من البغي سعي اثنين في قتل واحد |
اقرن برأيك رأي غيرك واستشر | فالحق لا يخفى على اثنين |
فالمرء مرآة تريه وجهه | ويرى قفاه بجمع مرآتين |
شاور سواك إذا نابتك نائبة | يوما وإن كنت من أهل المشورات |
فالعين تلقى كفاحا ما نأى ودنا | ولا ترى نفسها إلا بمرآة |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 7- ص: 0