عجرد حماد عجرد - بالعين المهملة مفتوحة وسكون الجيم وفتح الراء وآخرها دال مهملة - وقيل له ذلك لأنه مر به أعرابي، وهو غلام يلعب مع الصبيان في يوم شديد البرد وهو عريان. فقال له: لقد تعجردت يا غلام -والتعحرد التعري- وهو أبو يحيى بن عمر بن يونس بن كليب الكوفي الواسطي، مولى بني سوأة بن عامر بن صعصعة. وهو من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. ونادم الوليد بن يزيد الأموي، وقدم بغداد أيام المهدي. وهو من الشعراء المجيدين، وبينه وبين بشار بن برد أهاج فاحشة، وله في بشار كل معنى غريب. وأورد صاحب الأغاني من هجائهما جملة. ومن هجائه في بشار:
ألا من مبلغ عني | الذي والده برد |
إذا نسب الناس | فلا قبل ولا بعد |
شبيه الوجه بالقرد | إذا ما عمي القرد |
فلما سمع ذلك بشار صفق بيديه وقال: ما حيلتي، يراني ابن الزانية فيشبهني ولا أراه فأشبهه. وقال فيه أيضا:
لو طليت جلدته عنبرا | لأفسدت جلدته العنبرا |
أو طليت مسكا ذكيا إذا | تحول المسك عليه خرا |
وكان أبو حنيفة صديقا لحماد عجرد، ثم إن أبا حنيفة طلب الفقه ونسك وبلغ فيه ما بلغ. ورفض حمادا وبسط لسانه فيه. فجعل حماد يلاطفه ليكف عن ذكره، وأبو حنيفة يذكره. فكتب إليه حماد:
إن كان نسكك لا يتـ | ـم بغير شتمي وانتقاصي |
أولم تكن إلا به | ترجو النجاة من القصاص |
فلطالما زكيتني | وأنا المقيم على المعاصي |
أيام تأخذها وتعـ | ـطي في أباريق الرصاص |
فأمسك عنه أبو حنيفة ولم يذكره خوف لسانه.
قيل أن المهدي لم قتل بشارا بالسياط -على ما تقدم- حمل إلى منزله ميتا، ودفن مع حماد عجرد على تلعة. فمر بهما أبو هشام الباهلي الشاعر الضرير- وكان يهاجي بشارا- فوقف على قبريهما وقال:
قد تبع الأعمى قفا عجرد | فأصبحا جارين في دار |
قالت بقاع الأرض: لا مرحبا | بقرب حماد وبشار |
تجاورا بعد تنائيهما | ما أبغض الجار إلى الجار |
صارا جميعا في يدي مالك | في النار، والكافر في النار |
والحمادون ثلاثة: هذا، وحماد الراوية وحماد بن الزبرقان. كانوا يشربون الخمر، ويتهمون بالزندقة. قال خلف بن المثنى: كان يجتمع بالبصرة عشرة في مجلس، لا يعرف مثلهم في تضاد أديانهم: الخليل بن أحمد سني، والسيد الحميري رافضي، وصالح بن عبد القدوس ثنوي، وسفيان بن مجاشع صفري، وبشار بن برد خليع ماجن، وحماد عجرد زنديق، وابن رأس الجالوت يهودي، وابن نظيرا متكلم، وعمرو ابن أخت المؤيد مجوسي، وروح بن سنان الحراني صابئي. فيتناشد الجامعة أشعارا. وكان بشار يقول: أبياتك هذه يا فلان أحسن من سورة كذا وكذا. وفي حماد عجرد يقول بشار:
إذا جئته في الحي أغلق بابه | فلم تلقه إلا وأنت كمين |
فقل لأبي يحيى متى تبلغ العلى | وفي كل معروف عليك يمين |
وفيه يقول بشار أيضا:
نعم الفتى لو كان يعبد ربه.. الأبيات المتقدمة في تردمة حماد الراوية.
ومن شعر حماد عجرد:
فأقسمت لو أصبحت في قبضة الهوى | لأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري |
ولكن بلائي منك أنك ناصح | وأنك لا تدري بأنك لا تدري |
وقتله محمد بن سليمان بن علي عامل البصرة بظاهر الكوفة على الزندقة سنة خمس وخمسين ومائة. وقيل بل خرج من الأهواز يريد البصرة فمات في طريقه، فدفن في تل هناك. وقيل مات سنة ثمان وستين ومائة. وأخباره وأشعاره في الأغاني كثيرة.