قاتل الظافر والفائز قبله العباس بن أبي الفتوح بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، أبو الفضل، وزير الفائز عيسى العبيدي؛ كان وصل إلى القاهرة وهو مع أمه بلارة، فتزوجها العادل علي بن السلار وزير الظافر العبيدي، فأقامت عنده زمانا، ورزق عباس هذا ولدا اسمه نصر فكان عند جدته في دار العادل، وكان العادل يحنو عليه ويعزه؛ ثم إن عباسا دس ولده نصرا على أن قتل العادل - على ما يأتي إن شاء الله تعالى في ترجمة العادل - ثم إن عباسا دس ولده نصرا على الظافر أيضا فقتله - على ما هو مذكور في ترجمة الظافر إسماعيل بن عبد المجيد - ثم إن أخت الظافر استدعت الصالح بن رزيك من منية بني خصيب، فحضر إلى القاهرة وهرب عباس هذا وولده نصر وأسامة بن منقذ إلى الشام، فخرج الفرنج عليهم وقتلوا عباسا وجهزوا نصرا إلى مصر في قفص حديد - على ما هو مذكور في ترجمة الظافر إسماعيل وولده الفائز عيسى، فليكشف من ترجمة المذكورين - وكانت قتلة عباس المذكور في سنة إحدى وخمسين وخمسمائة؛ ووصل إلى دمشق جماعة من أصحابه هاربين على اقبح الصور من العري والعدم.
وقال عمارة اليمني من أبيات:
لكم يا بني رزيك لا زال ظلكم | مواطن سحب الموت فيها مواطر |
سللتم على العباس بيض صوارم | قهرتم به سلطانه وهو قاهر |
قال أسامة بن منقذ: كان لعباس أربعمائة جمل تحمل أثقاله ومائتا بغل رحل ومائتا جنيب؛ فلما أراد الخروج من مصر يوم الجمعة رابع ربيع الأول سنة تسع وأربعين وخمسمائة تقدم بشد خيله وجماله، فلما صار الجميع على باب داره وقد ملأت الفضاء إلى القصر خرج غلام له يقال له عنبر كان على أشغاله، وغلمانه كلهم تحت يده، فقال للجمالين والحزبندية والركابية: روحوا إلى بيوتكم وسيبوا الدواب، ففعلوا ذلك، وانحاز هو إلى المصريين يقاتل عباسا معهم؛ وكان عباس ومماليكه في ألف رجل، فنهب المصريون الخيل والجمال والدواب، ولما فتحوا بذلك الطريق خرج عباس من باب النصر، فجاؤوا في إثره وأغلقوا الباب، وعادوا إلى دور عباس فنهبوها؛ وكان عباس قد أحضر من العرب ثلاثة آلاف فارس يتقوى بهم على المصريين، ووهبهم أشياء كثيرة وحلفهم له، فلما خرج من باب النصر غدروا به وقاتلوه أشد قتال ستة أيام، يقاتلهم من الفجر إلى الليل فإذا نزل أمهلوه إلى نصف الليل ثم يركبون ويهدون خيلهم على جانب الناس ويصيحون صيحة واحدة فتجفل الخيل وتقطع لجمها؛ فلما كان بعد ستة أيام وقد ضعف، صبحه الإفرنج فقتلوا عباسا وابنه الأوسط وأسروا ابنه الأكبر، وأخذوا نساء عباس وخزائنه، وأسروا أولادا له صغارا، وقال في قتل الظافر بعض الشعراء، وهو ابن أسعد، يعني عباسا:
وأنفق من أموالهم في هلاكهم | وأظهر ما قد كان عنه ينافق |
ومد يدا هم طولوها إليهم | وحلت بأهل القصر منه البوائق |
سقى ربه كأس المنايا وما انقضى | له الشهر إلا وهو للكأس ذائق |