الثمالي الصحابي
بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الرحمن الرحيم
#نفس عصام سودت عصاما وقول أبي تمام:
قد طلبنا فلم نجد لك في السؤ | دد والمجد والمكارم مثلا |
إذا برقت يوما أسرة وجهه | على الناس قال الناس: جل المنور |
ومن التحقير: {فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم} {فأنزلنا على الذين ظلموا} دون عليهم {وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم} أضمر هنا، ثم لما أريد المبالغة في ذمهم صرح في الآية الثانية والثالثة بكفرهم فقيل: {فلعنة الله على الكافرين} و {وللكافرين عذاب مهين}، وأمثاله كثير. إذا تقرر هذا الأصل، فيقول:
لما كان أهل هذه القرية موصوفين بالشح الغالب، واللؤم اللازب، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: كانوا أهل قرية لئاما، وقد صدر منهم في حق هذين العبدين الكريمين على الله تعالى ما صدر من المنع بعد السؤال. كانوا حقيقين عليهم بسوء الصنع. فناسب ذلك التصريح باسمهم لما في لفظ الأهل من الدلالة على الكره مع حرمان هذين الفقيرين من خير لهم، مع استطعامهما إياهم، ولما دل عليه حالهم من كدر قلوبهم، وعمى بصائرهم، حيث لم يتفرسوا فيهما ما تفرسه صاحب السفينة في قوله: أرى وجوه الأنبياء. هذا ما يتعلق بالمعنى، وأما ما يتعلق باللفظ، فلما في جمع الضميرين في كلمة واحدة من استثقال، فلهذا كان قليلا في القرآن المجيد. وأما قوله تعالى: {فسيكفيكهم الله}، وقوله: {أنلزمكموها} فإنه ليس من هذا القبيل، لأنه عدول عن الانفصال إلى الاتصال الذي هو أخصر. وعند فك الضمير لا يؤدي إلى التصريح باسم ظاهر، بل يقال: فسيكفيك إياهم الله، و ’’أنلزمكم إياها’’، فكان الاتصال الأولي لأنه أخصر. ومؤداهما واحد بخلاف مسألتنا. ثم هنا سؤالات، فالأول: ما الفرق بين الاستطعام والضيافة؟، فإن قلت إنهما بمعنى قلت: فلم خصصهما بالاستطعام والأهل بالضيافة؟.
والثاني، فلم قيل: فأبوا أن دون فلم، مع أنه أخصر.
الثالث: لم قيل: أتيا أهل قرية، دون أتيا قرية؟ والعرف بخلافه، تقول: أتيت إلى الكوفة دون أهل الكوفة، كما قال تعالى: {ادخلوا مصر}، والجواب عن الأول: أن الاستطعام وضيفة السائل والضيافة وضيفة المسؤول، لأن العرف يقضي بذلك. فيدعو المقيم إلى منزله، القادم يسأله ويحمله إلى منزله. وعن الثاني، أن في الإباء من قوة المنع ما ليس في فلم، لأنها تقلب المضارع إلى الماضي وسفيه فلا يدل على أنهم لم يضيفوهم في الاستقبال، بخلاف الإباء المقرون ب أن، فإنه يدل على النفي مطلقا وآبنه {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أي حالا واستقبالا. وعن الثالث، أنه مبني على أن مسمى القرية ماذا؟ أهو الجدران وأهلها معا حال كونهم فيها، أم هي فقط، أم هم فقط؟ والظاهر عندي أنه يطلق عليها مع قطع النظر إلى وجود أهلها وعدمهم، بدليل قوله تعالى: {أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها} سماها قرية ولا أهل ولا جدار قائما. ولعدم تناول لفظ القرية إياهم في البيع إذا كانت القرية وأهلها ملكا للبائع، وهم فيها حالة البيع. ولو كان الأهل داخلين في مسماها لدخلوا في البيع ولبدت المعايرة بين المضاف والمضاف إليه، وإنما ذكر الأهل لأنه هو المقصود من سياق الكلام دون الجدران، لأنه بمعرض حكاية ما وقع منهم من اللوم. فإن قلت: فما نصنع بقوله تعالى: {وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها} {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قآئلون}. وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة، إلى آخره. واسأل القرية فإن المراد في هذه الآيات وأمثالها الأهل والجدران. قلت: هو من باب المجاز بالقرينة، لأن الإهلاك إنما ينسب إليهم دونها، بدليل {أو هم قآئلون}، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وبطرت معيشتها، والاستحالة السؤال من غير الأهل. على أنا نقول: لو تصور وقوع الهلاك على نفس القرية بالخسف والحريف والغريق ونحوه لم تتعين الحقيقة لما ذكرناه، والله أعلم. وهذا عجالة الوقت، ونحن على جناح السفر.
ومن شعر الشيخ زين الدين المشار إليه يمدح الملك الصالح صاحب مادرين:
إلهي إن الصالح المصلح الذي | بدا عزة في آل أرتق تزهر |
وألبسته من نور وجهك حلة | تكاد لأبصار الخلائق تبهر |
إذا برقت يوما أسرة وجهه | على الناس قال الناس جل المنور |
وقالوا كما قالت صواحب يوسف | أذا ملك أم آدمي مصور |
يؤمل أن أدعوك ظنا بأنني | لديك وجيه مستجاب موقر |
إلهي فلا تخلف بي الظن عنده | وإن لم أكن أهلا فحلمك يستر |
وهذي يدي مرفوعة بتضرع | فيسر عليه كلما يتعسر |
وآمنه من خوف فقد أمن الورى | بهيبته مما يخاف ويحذر |
وأحسن له العقبى وبلغه بيتك | الحرام على وجه تحب وتؤثر |
وحط ملكه حتى يؤوب مسلما | وقد حطت الأوزار وهو مطهر |
فما في اعتقادي في السلاطين مثله | وأنت بما يخفى ويعلن أخبر |
فإن لم يكن فاجعله حيث ظننته | فأنت على قلب الحقائق أقدر |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 21- ص: 0