عبد الله بن سعد
سيف الدين المشد
سيف الدين المشد
أيا يوم عاشورا جعلت مصيبة | لفقد كريم أو عظيم مبجل |
وقد كان في قتل الحسين كفاية | فقد جل بالرزء المعظم في علي |
هي قامة أم صغدة سمراء | وذؤابة أم حية سوداء |
وأذا نظرت إلى اللحاظ وجدتها | هن السهام ورشقها الإيماء |
إن أنكرت نجل العيون جراحتي | فدليل قلبي أنها نجلاء |
وبمهجتي من لو سرى متبرقعا | في ظلمة لأنارت الظلماء |
بدر جعلت القلب أخبية له | كي لا يراه رقيبه العواء |
خلعت عليه الشمس رونق حسنها | وحبته رونق ثغره الجوزاء |
في نمل عارضه ونور جبينه | تتنافس الأحزاب والشعراء |
فبخده الزاهي نهيم صبابة | وبصدغه يتغزل الوأواء |
في يوم غيم من لذادة جوه | غنى الحمام وطابت الأنداء |
والروض بين تكبر وتواضع | شمخ القضيب به وخر الماء |
إن ترقا إلى المعالي أولو الفضـ | ـل وساخت تحت الثرى السفهاء |
فحباب المدام يعلو على الكأ | س محلا وترسب الأقذار |
ترى ابن سيناء في يديه | أقل ملعوبه الغناء |
قانونه المرتضى نجاة | كل إشاراته شفاء |
كأن دخان العود والند بيننا | وأقداحنا ليل تهاوى كواكبه |
ولاحت لنا شمس العقار فمزقت | دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه |
ولما زار من أهواه ليلا | وخفنا أن يلم بنا مراقب |
تعانقنا لأخفيه فصرنا | كأنا واحد في عقد حاسب |
يا مطربا أغنى النديم غناؤه | عن طيب مشموم وعن مشروب |
شبب إذا غنيتنا متغزلا | إن الغناء يطيب بالتشبيب |
أيا رام رمت فأصبن قلبي | سهام لحاظه قسي الحواجب |
فلا تهدر دمي فدمي جليل | وعقلي طائر والقلب واجب |
لئن تفرقنا ولم نجتمع | وزادت الفرقة عن وقتها |
فهذه العينان مع قربها | لا تنظر العين إلى أختها |
أقصى مرادي في الهوى | بأن تحلوا ساحتي |
وراحتي في قدح | أنظره في راحتي |
أقسمت من دمعي بالذاريات | ومن دموع العين بالمرسلات |
إني على الاخلاص في حبكم | حتى ترى روحي في النازعات |
يا جيرة الحي الذي قد سروا | على متون البزل العاديات |
أما رأى حاديكم في الدجا | نار ضلوعي وهي الموريات |
وصالكم منتسخ حكمه | وبينكم آياته بينات |
فحملوا ريح الصبا نشركم | إن تحيات الصبا طيبات |
ليل أضاء هلاله | أنا يضيء بكوكب |
دجاجة صفراء من شحمها | حمراء كالورد من الوهج |
كأنها والجمر من تحتها | أترجة من فوق نارنج |
وافى السكردان وفي ضمنه | مطجنات من دراريج |
كأنه بدر وقد رصعت | فيه ثريا من سكاريج |
وعارية من كل عيب حبيبة | إلى كل قلب بالبين مجروحا |
لها جسد ميت يعيش بنفخة | متى داخلته الريح صارت به روحا |
تعيد الذي يلقي عليها بلذة | تزيد فؤاد الصب وجدا وتبريحا |
وتنطق بالسحر الحلال عن الهوى | وتوحي إلى الأسماع أطيب ما يوحى |
لله يوم شربناها مشعسعة | تهدي إلينا سرورا دائما وفرح |
والمزن تهمي وقوس الغيم ذو حبك | والشمس تبدو وقمري الرعود صدح |
والجنك يخفق في كفي منعمة | يحكي الذي نحن فيه نزهة وملح |
فصوته الرعد والأوتار صوب حيا | والغادة الشمس حسنا وهو قوس قزح |
يا حبيبا جعلته نصب عيني | حين أمسى في الحسن وهو فريد |
أنت قصدي وقد جعلت ندائي | لك دون الورى فهلا تجود |
والمنادى المنصوب إن جاء يوما | لفظه مفردا هو المقصود |
لعبت بالشطرنج مع شادن | رشاقة الأغصان من قده |
أحل عقد البند من خصره | وألثم الشامات من خده |
وشادن همت فيه وجدا | لما غدت مقلتاه رمدا |
لم ينتقص حسنه ولكن | نرجس عينيه صار وردا |
قد أفحم الوأواء صدغ له | والخد أودى بالأبيوردي |
وشعره الطايل في حسنه | أربى على النابغة الجعدي |
صنم في الحسن خدا | ه لطرق الغي تهدي |
عدت فيه جاهلي الحـ | ـب من غير تعد |
لحظ عيني عبد شمس | وفؤادي عبد ود |
كأنما النهر إذ مر النسيم به | والغيم يهمي وضوء البرق حين بدا |
رشق السهام ولمع البيض يوم وغى | خاف الغدير سطاها فاكتسى زردا |
يا جيرة الحي من جرعاء كاظمة | طرفي لبعدكم ما التذ بالنظر |
لا تسألوا عن حديث الدمع كيف جرى | فقد كفى ما جرى منه على بصري |
إن عيني مذ غاب شخصك عنها | يأمر السهد في كراها وينهى |
بدموع كأنهن الغوادي | لا تسل ما جرى على الخد منها |
يسام للبيع على أنه | أبهى من الزهرة والمشتري |
دمعي لذاك الخال في خده | أرسل للأسود والأحمر |
كأنما ثغرها حباب | أطاف من ريقها بخمر |
مقرها في صميم قلبي | والشمس تجري لمستقر |
وافى إلي وكأس الراح في يده | فخلت من لفظه أن النسيم سرى |
لا تدرك الراح معنى من شمائله | والشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا |
وبي غرير يحاكي الظبي ملتفتا | أغن أحور عقلي فيه قد حارا |
يصبو الحباب إلى تقبيل مبسمه | ويكتسي الراح من خديه أنوارا |
من آل عيسى يرى بعدي تقربه | ولم يخف في دم العشاق أوزارا |
لأجله أصبح الراووق منعكفا | على الصليب وشد الكاس زنارا |
أول عشقي فتور عينيـ | ـك ما له في الغرام آخر |
وعاشق المقلتين يفنى | وليس يسلو إلى المقابر |
أي شيء يكون مالا وذخرا | راق حسنا عند اللقاء ومخبر |
أسمر القد أزرق السن وصفا | إنما قلبه بلا شك أحمر |
إن عنابنا الذي قد أتانا | راقنا منظرا كما طاب مخير |
جاز ضدين يانعين فوافى | أحمر اللون قانيا وهو أخضر |
وأمرد كالجبل الراسي | أثقل من حمى وإفلاس |
لحيته تسبح من خفة | برأسه في بحر أمواس |
شتان ما بين قضيب النقا | وبين من في حبه أخضع |
لأن ذا يوصل مع قسوة | وذاك مع لين به يقطع |
لما رآني وقد فتنت به | من عظم وجدي وكثر أشواقي |
غنى وكاس المدام في يده | قامت حروب الهوى على ساق |
بدت عروسا عجنوا جناءها | بماء ورد لم يزل ممسكا |
للنقش في معصمها حلاوة | لما علا من فوقه مشبكا |
وغزال قلت: ما الاسم | حبيبي؟ قال: مالك |
قلت: صف لي وجهك الزا | هي وصف حسن اعتدالك |
قال: كالبدر وكالغصـ | ـن وما أشبه ذلك |
كاتب ذاك الخد قد | قومه إذ مشقه |
نسخ مجاز خصره | سرته المحققه |
حيرني حاجبه | بنونه المعرقه |
وعقرب الصدغ الذي | بواوه معلقه |
ما اسم إذا صحفته | فهو نبي مرسل |
وهو إذا عكسته | كتابه المنزل |
أساود شعره لبست فؤادي | وأمست بين أحشائي تجول |
كأن الشعر يطلبني بدين | فكم يجفو علي ويستطيل |
يا ساكنا حل في ضميري | وألزم القلب: أن تحول |
تعلم الشعر منك لما | رأى غرامي جفا وطول |
لعبت بالنرد مع رشيق | مهفهف لين القوام |
قال: تمامي، فقلت: مهلا | ما أحسن البدر في التمام |
كلفي بنردي يقول لصبه | وفؤاده ما قر منه قراره |
شعري الطويل جباله منصوبة | فلذاك غصن القد طار هزاره |
لعبت بالنرد مع رشيق | منه غصون النقا حيارى |
عشاقه في الأنام سادوا | بصبرهم إذ رأوه جارا |
إني وإن أصبحت سنيها | أحب آل المصطفى الهاشمي |
في حالة السخط أوالي الرضا | وأقتدي في الغيظ بالكاظم |
ومجلس راق من واش يكدره | ومن رقيب له في اللوم إيلام |
ما فيه ساع سوى الساقي وليس به | على الندامى سوى الريحان نمام |
الحمد لله في حلي ومرتحلي | على الذي نلت من علم ومن عمل |
بالأمس كنت إلى الديوان منتسبا | واليوم أصبحت والديوان ينسب لي |
أيا ملكا تأتي الخماص لبابه | وتغدو بطانا من نوال ومن جاه |
إذا جاء نصر الله والفتح بعده | وتبت يد الأعداء فالحمد لله |
يقتدي في طريقه بالحريري | ويبغي مذاهب الصوفيه |
أعجمي اللسان حلو الثنايا | عنه تروى الحلاوة العجميه |
فصل كأن البدر فيه مطرب | يبدو وهالته لديه طاره |
والشمس في أفق السماء خريدة | والجو ساق والأصيل عقاره |
وكأن قوس الغيم جنك مذهب | وكأنما صوب الحيا أوتاره |
سمت في الكاس لؤلؤا منثورا | حين أضحى مزاجها كافورا |
بدر تم ما زال يهدي لقلبي | ولعيني نظرة وسرورا |
تجتلي النفس دائما من عذاريـ | ـه وصدغيه جنة وحريرا |
وسقاني من ريقه البارد العذ | ب كؤوسا حوت شرابا طهورا |
بقوارير فضة من ثنايا | قدروها بلؤلؤ تقديرا |
وغيوم مثل الجنان فما تنـ | ـظر فيها شمسا ولا زمهريرا |
نصب روض مشي النسيم عليه | فانبرى سعيه به مشكورا |
أيها الحاسد المفند إما | أن ترى شاكرا وإما كفورا |
كيف تجفو التي يطير بها الهـ | ـم وإن كان شره مستطيرا |
عبد إحسان يوسف الملك النا | صر أفديه سيدا وحصورا |
منهل الواردين ذخر اليتامى | كم فقير أغنى وفك أسيرا |
ملك ما تراه يوما عبوسا | عند بذل الندى ولا قمطريرا |
وإذا ما استشاط في الحرب غيظا | كان يوما على العداة عسيرا |
يا مليكا أفاده الله علما | ونعيما جما وملكا كبيرا |
لم أكن قبل خدمتي ودعائي | لك شيئا ولم أكن مذكورا |
أسمعتني نعماك بل بصرتني | فتيممتها سميعا بصيرا |
عش سعيدا وانحر أعاديك واسلم | كل عيد مؤيدا منصورا |
علقتها نجلاء مثل المهى | فخان فيها الزمن الغادر |
أذهب عينيها فإنسانها | في ظلمة لا يهتدي حائر |
تجرح قلبي وهي مكفوفة | وهكذا قد يفعل الباتر |
ونرجس اللحظ غدا ذابلا | واحسرتا لو أنه ناضر |
قالوا: تعشقتها عمياء؟ قلت لهم: | ما شانها ذاك في عيني ولا قدحا |
بل زاد وجدي فيها أنها أبدا | لا تنظر الشيب في فودي إذا وضحا |
إن يجرح السيف مسلولا فلا عجب | وإنما أعجب لسيف مغمد جرحا |
كأنما هي بستان خلوت به | ونام ناطوره سكران قد طفحا |
تفتح الورد فيه من كمائمه | والنرجس الغض فيه بعدما انفتحا |
ورب أعمى وجهه روضة | تنزهي فيها كثير الديون |
في خده ورد غنينا به | عن نرجس ما فتحته العيون |
أيا حسن أعمى لم يجد حد طرفه | محب غدا سكران فيه وما صحا |
إذا طار قلب يرتعي في خدوده | غدا آمنا من مقلتيه الجوارحا |
إن الحصون لكالعيون فهدبها | شرفاتها وجفونها الأسوار |
وكذا محاجرها الخنادق حولها | والحافظون لها هم الأنوار |
يا من عذاره وأصداغه | حدائق همت بأزهارها |
لو لم يكن خداك لي كعبة | لما تعلقت بأستارها |
ورمي بيان خلته | لما تناثر دود قز |
بشع الروائح يابس | وكأنه ذرق الإوز |
لئن صرفت وحاشا | ك فالدنانير تصرف |
وما اعتقلت كريما | إلا وأنت مثقف |
وشاطدن أوردني حبه | لهيب حر الشوق والفرقه |
أصبحت حرانا إلى ريقه | فليت لي من قلبه رقه |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 21- ص: 0