عمر بن محمد بن عمر
عمر بن محمد بن عمر
سمع من الأبرقوهي، وحدث عنه، وحج سنة سبع عشرة وسبع مئة.
كان حسن الشكالة، كأن وجهه تحت عمته بدر في هالة، دائم البشر، عطر النشر، كريم الملقى لمن يحضر إليه، لين الجانب للخصم إذا وقف بين يديه، لم يشتم أحدا مدة ولايته، ولا خاطب أحدا بما لا يليق لكرم أصالته، مجموع الفضائل، مطبوع الكرم والشمائل، يعرف من العقليات جمله، وعنده من الأدب علما وعملا ما هو على الشرعيات فضله، قد فض له فضله ختام كل فن، وبل له وبله رياض ما شرد من النكت وعن، وخطه عقود العقول وفصوص الفصول، يحكي البرد إذا حبك، والذهب إذا سبك. ونظمه أرق من شكوى المحب إلى الحبيب، وألذ عند المتيم من غفلة الرقيب القريب.
وكان الملك المؤيد يعظمه ويثني على فضائله ويتعجب لذهنه إذا تصرف في مسائله.
اجتمعت به فخلبتني عبارته، وسلبتني حركته وإشارته. ورأيت منه سيادة تعرب عن كمال ذاته، ورئاسة تفضي بغريب صفاته:
ويفتر منه عن خصال كأنها | ثنايا حبيب لا يمل لها رشف |
ولم يزل بحماة والناس به مغتبطون، وعلى إحسانه وبره مرتبطون، إلى أن بغته أجله في أشده، وحل أنسه من الوجود بعد شده.
وتوفي رحمه الله تعالى ليلة الجمعة الخامس والعشرين من صفر سنة أربع وثلاثين وسبع مئة، ودفن بعد صلاة الجمعة بمقبرة أقاربه قبلي البلد.
ومولده يوم الثلاثاء سابع عشري شهر رمضان سنة تسع وثمانين وست مئة.
وتولى الحكم بحماة من سنة إحدى وعشرين وسبع مئة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وكان لين الجانب، كثير المروءة، ما قصده أحد في شيء وخيبه. ولم يحفظ أهل حماة عنه أنه سب أحدا بحماة مدة ولايته. وهو قاضي القضاة الحنفية، ومدرس بها، وكان صاحب حماة يثني عليه وعلى فضائله، وحصل لأهل حماة على فراقه ألم شديد وحزن عظيم، وجنازته حافلة إلى الغاية.
وعند مروري بحماة عائدا من حلب سنة أربع وعشرين وسبع مئة، دخلت إليه في تحمل شهادة عليه، فرأيت منه رئاسة وحشمة وسيادة ولطفا زائدا.
وأنشدني من لفظه لنفسه:
كأن وجه النهر إذ حفت به | أشجاره فصافحته الأغصن |
مرآة غيد قد وقفن حولها | ينظرن فيها أيهن أحسن |
ما لليالي بسهم البعد قد رشقت | وصارم البين للأحباب قد مشقت |
وخالفت في الذي يهوى وما ونيت | كأنها لخلاف القصد قد عشقت |
وأضرمت نار حرب من عداوتها | ضرا فأعلامها بالهم قد خفقت |
وفرقت جمع شمل كان ملتئما | وجمعت حادثات كانت افترقت |
هي الليالي فلا تستكثرن لها | هذا العناد إذا أنصارها اتفقت |
أشكو إليك غراما فيك أقلقني | فدتك نفسي على طول المدى ووقت |
وفرط شوق ووجد ناره اتقدت | بين الأضالع والأحشاء فاحترقت |
ولوعة منك لولا النفس واثقة | بأن تعود لكانت للنوى زهقت |
من بعد ما غبت يا من كان يؤنسني | ما أبصرت حسنا عيني ولا رمقت |
سواك ما مر في بالي ولا شفتي | بغير ذكرك يا أقصى المنى نطقت |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 3- ص: 653